السيد محمد باقر الصدر

مقدمات
في التفسير الموضوعي للقرآن

للبحث أضغط ctrl+f

(1/1)


مُقدّمَاتٌ
في التفسير الموضوعي للقرآن
---
( 4 )
---
( 5 )
مقدمة الناشر
السيد محمد باقر الصدر التعريف عنه يبقى موجزا مهما طال وتشعب ، وما قدمه للفكر الانساني عامة والاسلامي بوجه خاص يغني عن أي تعريف فمن كتاباته البنك اللاربوي في الاسلام الى كتاب فلسفتنا الى كتاب اقتصادنا ثم الاسس المنطقية للاستقراء اضافة الى العديد من كتاباته الاخرى التي أصبحت مرجعاً فلسفياً يعتمد عليه اساتذة الفلسفة الحديثة على اختلاف اتجاهاتها ، حتى اعتبر مجدداً بحق ، ولم تكن جهوده هذه كل همه فكانت جنبا الى جنب مع مساعيه من دروس ومحاضرات يلقيها على طلبة العلوم الدينية في النجف الأشرف . فكان بحد ذاته مدرسة يعتمد عليها في مختلف العلوم .
وهذا الكتاب الذي بين يديك أخي القارئ مقدمات في التفسير الموضوعي للقرآن الكريم يمثل محاضرات ألقاها سماحته متوجا فيها أعماله باتجاه تجديدي يكون مكملا لجهود المفسرين باضافته الاتجاه الموضوعي في التفسير الى الاتجاه التجزيئي ، وليكون بذلك أثباتا فعليا وعصريا لمقولة الاسلام نظام شامل وكامل للحياة .
وقد قام بعض الافاضل من تلامذته بمراجعة هذه الدروس وتحقيقها لتكون على شكل كتاب ، فجزاه الله واياهم عن الاسلام أفضل الجزاء .
الناشر
---
( 6 )
---
( 7 )
تقديم
بسم الله الرحمن الرحيم
وأفضل الصلوات على سيد الخلق محمد وعلى آله الطيبين الطاهرين .
ربنا فقهنا في كتابك وأكشف عن قلوبنا ظلمات الذنوب لكي نتفهم آياتك وأزح عن بصائرنا غشاوة الدنيا وبريقها الكاذب لكي تملأ قلوبنا بهداك واجعلنا من حملة قرآنك وسنة نبيك والسائرين على طريق طاعتك ...

(2/1)


ربنا أتمم لنا نورنا واغفر لنا أنك على كل شيء قدير ، ربنا لا تؤاخذنا ان نسينا أو اخطأنا ، ربنا ولا تحمل علينا اصراً كما حملته على الذين من قبلنا ، ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به وأعف عنا وأغفر لنا وانصرنا ، أنت مولانا فانصرنا على القوم الكافرين ،
---
( 8 )
ربنا وأغفر لنا ولاخواننا الذين سبقونا للايمان ، ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين كفروا ، ربنا انك رؤوف رحيم .
---
( 9 )
الدرس الاول :
لا شك في تنوع التفسير واختلاف مذاهبه وتعدد مدارسه والتباين في كثير من الاحيان بين اهتماماته واتجاهاته ، فهناك التفسير الذي يهتم بالجانب اللفظي والادبي والبلاغي من النص القرآني وهناك التفسير الذي يهتم بجانب المحتوى والمعنى والمضمون وهناك التفسير الذي يركز على الحديث ويفسر النص القرآني بالمأثور عن الرسول وأهل بيته (ع) أو بالمأثور عن الصحابة والتابعين . وهناك التفسير الذي يعتمد العقل أيضاً كأساس من أسس التفسير وفهم كتاب الله سبحانه وتعالى ، وهناك التفسير المتميز الذي يتخذ مواقف مذهبية مسبقة ويحاول أن يطبق النص القرآني على أساسها . وهناك التفسير غير المتحيز الذي يحاول أن يستنطق النص القرآني ويطبق الرأي على القرآن لا القرآن على الرأي والى غير ذلك من الاتجاهات المختلفة في التفسير الاسلامي . الا ان الذي يهمنا ونحن على أبواب هذه الدراسة القرآنية أن نركز على ابراز اتجاهين رئيسيين لحركة التفسير في الفكر
---
( 10 )

(2/2)


الاسلامي ونطلق على أحدهما اسم الاتجاه التجزيئي في التفسير وعلى الآخر اسم الاتجاه التوحيدي أو الموضوعي في التفسير الاتجاه الاول : الاتجاه التجزيئي المنهج الذي يتناول المفسر ضمن اطاره القرآن الكريم آية فآية وفقا لتسلسل تدوين الآيات في المصحف الشريف ، والمفسر في نطاق هذا المنهج يسير مع المصحف ويفسر قطعاته تدريجياً بما يؤمن به من أدوات ووسائل للتفسير من الظهور أو المأثور من الاحاديث أو العقل أو الآيات الاخرى التي تشترك مع تلك الآية في مصطلح أو مفهوم بالقدر الذي يلقي ضوءا على مدلول القطعة القرآنية التي يراد تفسيرها مع أخذ السياق الذي وضعت تلك القطعة ضمنه بعين الاعتبار في كل تلك الحالات . وطبعا نحن حينما نتحدث عن التفسير التجزيئي نقدمه في أوسع وأكمل صوره التي انتهى اليها فان التفسير التجزيئي تدرج تاريخيا الى أن وصل الى مستوى الاستيعاب الشامل للقرآن الكريم بالطريقة التجزيئية وكان قد بدأ في عصر الصحابة والذي يعين على مستوى شرح تجزيئي لبعض الآيات القرآنية وتفسير لمفرداتها ، وكلما امتد الزمن ازدادت الحاجة الى تفسير المزيد من الآيات الى أن انتهى الى الصورة التي قدم فيها ابن ماجة والطبري وغيرهما كتبهما في
---
( 11 )

(2/3)


التفسير في أواخر القرن الثالث وأوائل القرن الرابع وكانت تمثل أوسع صورة للمنهج التجزيئي في التفسير . فالمنهج التجزيئي في التفسير حيث أنه كان يستهدف فهم مدلول اللفظ ، وحيث أن فهم مدلول اللفظ كان في البداية ميسرا لعدد كبير من الناس ثم بدأ اللفظ يتعقد من حيث المعنى بمرور الزمن وازدياد الفاصل وتراكم الخبرات والتجارب وتطور الاحداث والاوضاع من هنا توسع التفسير التجزيئي تبعا لما أعتبر النص القرآني من غموض ومن شك في تحديد مدلول اللفظ حتى تكامل بالطريقة التي نراها في موسوعات التفسير حيث ان المفسر يبدأ من الآية الاولى من سورة الفاتحة الى سورة الناس فيفسر القرآن آية آية ، لان كثير من الآيات بمرور الزمن أصبح معناها ومدلولها اللفظي بحاجة الى ابراز أو تجربة أو تأكيد ونحو ذلك ، هذا هو التفسير التجزيئي ، طبعا نحن لا نعني بالتجزيئية في هذا المنهج التفسيري ان المفسر يقطع نظره عن سائر الآيات ولا يستعين بها في فهم الآية المطروحة للبحث ، بل انه قد يستعين بآيات أخرى في هذا المجال كما يستعين بالاحاديث والروايات ، ولكن هذه الاستعانة تتم بقصد الكشف عن المدلول اللفظي الذي تحمله الآية المطروحة للبحث ، فالهدف في كل خطوة من هذا التفسير
---
( 12 )

(2/4)


فهم مدلول الآية التي يواجهها المفسر بكل الوسائل الممكنة أي أن الهدف هدف تجزيئي ، لانه يقف دائما عند حدود فهم هذا الجزء أو ذاك من النص القرآني ولا يتجاوز ذلك غالبا ، وحصيلة تفسير تجزيئي للقرآن الكريم كله تساوي على أفضل تقدير مجموعة مدلولات القرآن الكريم ملحوظة بنظرة تجزيئية أيضا ، أي أنه سوف نحصل على اعداد كبيرة من المعارف والمدلولات القرآنية ، لكن في حالة تناثر وتراكم عددي دون أن نكتشف أوجه الارتباط ، دون أن نكتشف التركيب العضوي لهذه المجاميع من الافكار ، دون أن نحدد في نهاية المطاف نظرية قرآنية لكل مجال من مجالات الحياة فهناك تراكم عددي للمعلومات ، الا أن الخيوط بين هذه المعلومات ، أي الروابط والعلاقات التي تحولها الى مركبات نظرية ومجاميع فكرية بالامكان ان نحصر على أساسها نظرية القرآن لمختلف المجالات والمواضيع ، أما هذا فليس مستهدفا بالذات في منهج التفسير التجزيئي وان كان قد يحصل احيانا ، وقد أدى هذا التناثر ونزعه الاتجاه التجزيئي الى ظهور التناقضات المذهبية العديدة في الحياة الاسلامية ، لانه كان يكفي ان يجد هذا المفسر أو ذاك آية تبرر مذهبه لكي يعلن عنه ويجمع حوله
---
( 13 )
الانصار والاشياع كما وقع في كثير من المذاهب الكلامية كمسألة الجبر والتفويض والاختيار مثلا ، بينما كان بالامكان تفادي كثير من هذه التناقضات لو أن المفسر التجزيئي خطى خطوة أخرى ولم يقتصر على هذا التجميع العددي كما نرى ذلك في الاتجاه الثاني .
الاتجاه الثاني : ونسميه الاتجاه التوحيدي أو الموضوعي في التفسير .

(2/5)


هذا الاتجاه لا يتناول تفسير القرآن آية فآية في الطريقة التي يمارسها التفسير التجزيئي ، بل يحاول القيام بالدراسة القرآنية لموضوع من موضوعات الحياة العقائدية أو الاجتماعية أو الكونية فيبين ويبحث ويدرس . مثلا عقيدة التوحيد في القرآن أو يبحث عقيدة النبوة في القرآن او عن المذهب الاقتصادي في القرآن او عن سنن التاريخ في القرأن او عن السماوات والارض في القرآن الكريم وهكذا .
ويستهدف التفسير التوحيدي او الموضوعي من القيام بهذه الدراسات تحديد موقف نظري للقرآن الكريم وبالتالي للرسالة الاسلامية من ذلك الموضوع من موضوعات الحياة او الكون ، وينبغي ان يكون واضحا أن الفصل بين الاتجاهين المذكورين ليس حديا على
---
( 14 )

(2/6)


مستوى الواقع العملي والممارسة التاريخية لعملية التفسير لان الاتجاه الموضوعي بحاجة قطعا الى تحديد المدلولات التجزيئية في الآيات التي يريد التعامل معها ضمن اطار الموضوع الذي يتبناه ، كما أن الاتجاه التجزيئي قد يعثر في اثناء الطريق بحقيقة قرآنية من حقائق الحياة الاخرى ، ولكن الاتجاهين على أي حال يظلان على الرغم من ذلك مختلفين في ملامحهما واهدافهما وحصيلتهما الفكرية ، ومما ساعد على شيوع الاتجاه التجزيئي للتفسير وسيطرته على الساحة قرونا عديدة ، النزعة الروائية والحديثية للتفسير حيث أن التفسير لم يكن في الحقيقة وفي البداية الا شعبة من الحديث بصورة او بأخرى وكان الحديث هو الاساس الوحيد تقريباً ، مضافا الى بعض المعلومات اللغوية والادبية والتاريخية ، التي يعتمد عليها التفسير طيلة فترة طويلة من الزمن ، ومن هنا لم يكن بامكان تفسير يقف عند حدود المأثور من الروايات عن الصحابة والتابعين وعن الرسول والائمة أن يتقدم خطوة اخرى وان يحاول تركيب مدلولات القرآن والمقارنة بينها واستخراج النظرية من وراء هذه المدلولات اللفظية . التفسير كان بطبعه تفسيرا لفظيا تفسيرا للمفردات وشرح بعض المستجد من المصطلحات
---
( 15 )

(2/7)


وتطبيق بعض المفاهيم على اسباب النزول ومثل هذه العملية لم يكن بامكانها ان تقوم بدور اجتهادي مبدع في التوصل الى ما وراء المدلول اللغوي واللفظي في التوصل الى الافكار الاساسية التي حاول القرآن الكريم ان يعطيها من خلال المتناثر من آياته الشريفة ويمكننا ان نقرب الى اذهانكم فكرة هذين الاتجاهين المختلفين في تفسير القرآن الكريم بمثال من تجربتكم الفقهية ، فالفقه هو بمعنى من المعاني تفسير الأحاديث الواردة عن النبيين والأئمة (ع) ونحن نعرف من البحث الفقهي ان هناك كتبا فقهية شرحت الاحاديث حديثا حديثا ، تناولت كل حديث وشرحته وتكلمت عنه دلالة او سندا أو متنا ، أو دلالة وسندا ومتنا على اختلاف اتجاهات الشراح كما نجد ذلك في شراح الكتب الاربعة وشراح الوسائل غير ان القسم الاعظم من الكتب الفقهية والدراسات العلمية في هذا المجال لم تتجه هذا الاتجاه بل صنف البحث الى مسائل وفقا لوقائع الحياة وجعلت في اطار كل مسألة الاحاديث التي تتصل بها وفسرتها بالقدر الذي يلقي ضوءا على تلك المسألة ويؤدي الى تحديد موقف الاسلام من تلك الواقعة التي تفترضها المسألة المذكورة وهذا هو الاتجاه الموضوعي على الصعيد الفقهي بينما ذاك هو الاتجاه التجزيئي في
---
( 16 )

(2/8)


تفسير الاحاديث على هذا الصعيد . كتاب الجواهر في الحقيقة شرح كامل شامل لروايات الكتب الاربعة ولكنه ليس شرحا يبدأ بالكتب الاربعة رواية رواية وانما يصنف روايات الكتب الاربعة وفقا للحياة ، وفقا لمواضيع الحياة ، كتاب البيع ، كتاب الجعالة ، كتاب احياء الموات ، كتاب النكاح ، ثم يجمع تحت كل عنوان من هذه العناوين الروايات التي تتصل بذلك الموضوع ويشرحها ويقارن فيما بينها فيخرج بنظرية لانه لا يكتفي بأن يفهم معنى الرواية فقط بصورة مفردة ، ومعنى هذه الرواية بصورة منفردة مع هذه الحالة من الفردية لا يمكن ان يصل الى الحكم الشرعي . وانما يصل الى الحكم الشرعي عن طريق دراسة مجموعة من الروايات التي تحمل مسؤولية توضيح حكم واحد أو باب واحد من ابواب الحياة ثم عن طريق هذه الدراسة الشاملة تخرج نظرية واحدة من قبل مجموعة من الروايات لا من قبل رواية واحدة . هذا هو الاتجاه الموضوعي في شرح الاحاديث ومن خلال المقارنة بين الدراسات القرآنية والدراسات الفقهية نلاحظ اختلاف مواقع الاتجاهين على الصعيدين فبينما انتشر الاتجاه الموضوعي والتوحيدي على الصعيد الفقهي وما خطا الفقه والفكر الفقهي خطوات في مجال تطوره حتى ساد هذا
---
( 17 )

(2/9)


الاتجاه جل البحوث الفقهية نجد ان العكس هو الصحيح على الصعيد القرآني حيث سيطر الاتجاه التجزيئي للتفسير على الساحة عبر ثلاثة عشر قرنا تقريبا اذ كان كل مفسر يبدأ كما بدأ سلفه مفسرا القرآن آية آية . اذن الاتجاه الموضوعي هو الذي سيطر على الساحة الفقهية بينما الاتجاه التجزيئي هو الذي سيطر على الساحة القرآنية واما ما ظهر على الصعيد القرآني من دراسات تسمى بالتفسير الموضوعي احيانا من قبيل دراسات بعض المفسرين حول موضوعات معينة تتعلق بالقرآن الكريم كاسباب النزول في القرأن أو الناسخ والمنسوخ أو مجازات القرآن فليست من التفسير التوحيدي والموضوعي بالمعنى الذي نريده فان هذه الدراسات ليس في الحقيقة الا تجميعا عدديا لقضايا من التفسير التجزيئي لوحظ فيما بينها شيء من التشابه وفي كلمة اخرى ليست كل عملية تجميع أو عزل دراسة موضوعية . وانما الدراسة الموضوعية هي التي تطرح موضوعا من موضوعات الحياة العقائدية او الاجتماعية او الكونية وتتجه الى درسه وتقييمه من زاوية قرآنية للخروج بنظرية قرآنية بصدده . واكثر ظني ان الاتجاه التوحيدي والموضوعي في الفقه بامتداده وانتشاره ساعد بدرجة كبيرة على تطوير الفكر الفقهي واثراء
---
( 18 )

(2/10)


الدراسات العلمية في هذا المجال بقدر ما ساعد انتشار الاتجاه التجزيئي في التفسير على اعاقة الفكر الاسلامي القرآني عن النمو المستمر وساعد على اكسابه حالة تشبه الحالات التكرارية حتى تكاد تقول ان قرونا من الزمن متراكمة مرت بعد تفاسير الطبري والرازي والطوسي لم يحقق فيها الفكر الاسلامي مكاسب حقيقية جديدة وظل التفسير ثابتا لا يتغير الا قليلا من خلال تلك القرون على الرغم من الوان التغير التي حفلت بها الحياة بمختلف الميادين وسوف يتضح انشاء الله تعالى من خلال المقارنة بين الاتجاهين السبب والسر الذي يكمن وراء هذه الظاهرة . لماذا كانت الطريقة التجزيئية عاملا في اعاقة النمو ولماذا تكون الطريقة الموضوعية والاتجاه التوحيدي عاملا في النمو والابداع وتوسيع نطاق حركة الاجتهاد لكي نعرف لماذا كان هذا ولماذا كان ذاك ، يجب أن نكون انطباعات أوضح وأكثر تحديدا عن هذين الاتجاهين ، وان يتضح ذلك بعد ان نشرح بعض اوجه الاختلاف بين هذين الاتجاهين التفسيريين فيما يلي :
اولا : ان دور المفسر التجزيئي سلبي على الاغلب فهو يبدأ اولا بتناول النص القرآني المحدد آية مثلا أو مقطعا قرآنيا من دون أي افتراضات او طروحات مسبقة
---
( 19 )

(2/11)


ويحاول أن يحدد المدلول القرآني على ضوء ما يسعفه به اللفظ مع ما يتاح له من القرائن المتصلة والمنفصلة العملية في طابعها العام ، عملية تفسير نص معين وكان دور النص فيها دور المتحدث ودور المفسر هو الاصغاء والتفهم وهذا ما نسميه بالدور السلبي ، المفسر هنا شغله ان يستمع لكن بذهن مضيء ، بفكر صاف ، بروح محيطة بآداب اللغة واساليبها ، في التعبير بمثل هذه الروح ، بمثل هذه الذهنية وبمثل هذا الفكر يجلس بين يدي القرآن ليستمع وهو ذو دور سلبي والقرآن ذو دور ايجابي والقرآن يعطي حينئذ وبقدر ما يفهم هذا المفسر من مدلول اللفظ يسجل في تفسيره . وخلافا لذلك المفسر التوحيدي والموضوعي فانه لا يبدأ في عمله من النص بل من واقع الحياة فيركز نظره على موضوع من موضوعات الحياة العقائدية او الاجتماعية او الكونية ويستوعب ما اثارته تجارب الفكر الانساني حول ذلك الموضوع من مشاكل وما قدمه الفكر الانساني من حلول وما طرحه التطبيق التاريخي من اسئلة ومن نقاط فراغ ثم يأخذ النص القرآني ، لا ليتخذ من نفسه بالنسبة الى النص دور المستمع والمسجل فحسب ، بل ليطرح بين يدي النص موضوعا جاهزا مشرقا بعدد كبير من الافكار والمواقف البشرية ويبدأ
---
( 20 )

(2/12)


مع النص القرآني حوارا ، المفسر يسأل والقرأن يجيب المفسر على ضوء الحصيلة التي استطاع ان يجمعها من خلال التجارب البشرية النافعة وهو يستهدف من ذلك ان يكتشف موقف القرآن الكريم من الموضوع المطروح والنظرية التي بامكانه ان يستلهمها من النص من خلال مقارنة هذا النص بما استوعبه الباحث عن الموضوع من افكار واتجاهات ومن هنا كانت نتائج التفسير الموضوعي نتائج مرتبطة دائما بتيار التجربة البشرية لانها تمثل المعالم والاتجاهات القرآنية لتحديد النظرية الاسلامية بشأن موضع من مواضيع الحياة ومن هنا ايضا كانت عملية التفسير الموضوعي عملية حوار مع القرآن الكريم واستنطاق له ، وليست عملية استجابة سلبية بل استجابة فعالة وتوظيفا هادفا للنص القرآني في سبيل الكشف عن حقيقة من حقائق الحياة الكبرى ، قال امير المؤمنين (ع) وهو يتحدث عن القرآن الكريم ذلك القرآن فاستنطقوه ولن ينطق لكن أخبركم عنه ، ألا ان منه علم ما يأتي والحديث عن الماضي ودواء دائكم ونظم ما بينكم التعبير بالاستنطاق الذي جاء في كلام ابن القرآن (ع) اروع تعبير عن عملية التفسير الموضوعي بوصفها حوارا مع القرآن الكريم وطرحا للمشاكل الموضوعية عليه بقصد الحصول على الاجابة
---
( 21 )

(2/13)


القرآنية عليها ، اذن فاول اوجه الاختلاف الرئيسية بين الاتجاه التجزيئي في التفسير والاتجاه الموضوعي في التفسير ان الاتجاه التجزيئي يكون دور المفسر فيه دورا سلبيا يستمع ويسجل بينما التفسير الموضوعي ليس هذا معناه وليس هذا كنهه وانما وظيفة التفسير الموضوعي دائما في كل مرحلة وفي كل عصر ان يحمل كل تراث البشرية الذي عاشه ، يحمل افكار عصره ، يحمل المقولات التي تعلمها من تجربته البشرية ثم يضعها بين يدي القرآن الكتاب الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ليحكم على هذه الحصيلة بما يمكن لهذا المفسر ان يفهمه من خلال مجموعة آياته الشريفة ، اذن فهنا يلتحم القرآن مع الواقع ، واقع الحياة ، لان التفسير يبدأ من الواقع وينتهي الى القرآن لا انه يبدأ من القرآن وينتهي في القرآن فيكون عملية منعزلة عن الواقع ، بل هذه العملية تبدأ من الواقع وتنتهي بالقرأن بوصفه القيم والمصدر الذي يجدد على ضوئه الاتجاهات الربانية بالنسبة الى ذلك الواقع ومن هنا تبقى للقرآن حينئذ قدرته على القيمومة والعطاء المستجد بشكل دائم فالقرآن الكريم دلت الروايات على انه لا ينفد وصرح القرآن نفسه بأن كلمات الله لا تنفد ، عطاء القرآن لا ينفد بينما
---
( 22 )

(2/14)


التفسير اللغوي ينفد لان اللغة لها طاقات محدودة وليس هناك تجدد في الملول اللغوي ولو وجد تجدد في المدلول اللغوي فلا معنى لتحكيمه على القرآن ، ولو وجدت لغة اخرى بعد القرآن فلا معنى لان يفهم القرآن من خلال لغة جديدة او ألفاظ تحمل مصطلحات جديدة استحدثت بعد القرآن اذن فحالة عدم النفاد تكمن في منهج التفسير الموضوعي لاننا نستنطق القرآن وفيه علم ما كان وعلم ما يأتي ودواء دائنا ، ونظم ما بيننا ، ما يمكن ان نستشف منه مواقف السماء تجاه تجربة الارض . فمن هنا كان التفسير الموضوعي قادرا على التطور والنمو لان التجربة البشرية تثريه والدرس القرآني والتأمل القرآني على ضوء التجربة البشرية يجعل هذا الثراء محولا الى فهم اسلامي قرآني صحيح والحمد لله رب العالمين .
---
( 23 )
الدرس الثاني :
ان الاتجاهات الفقهية سارت في الاتجاه الموضوعي بينما الابحاث التفسيرية سارت في الاتجاه التجزيئي طبعا لم نكن نعني من ذلك ايضا ان البحث الفقهي استنفذ طاقة الاتجاه الموضوعي فالبحث الفقهي اليوم مدعو ايضا الى ان يستنفذ طاقة هذا الاتجاه الموضوعي افقيا وعموديا باعتبار ان الاتجاه الموضوعي كما قلنا عبارة عن ان الانسان يبدأ من الواقع وينتهي الى الشريعة .
هكذا كان ديدن العلماء والفقهاء كانوا يبدأون بالحياة ، يبدأون من الواقع ، وقائع الحياة كانت تنعكس عليهم على شكل جعالة ومضاربة ومزارعة ومساقات ليستنبطوا الحكم من مصادرها ثم يردونها الى الشريعة هذا اتجاه موضوعي لانه يبدأ بالواقع وينتهي الى الشريعة في مقام التعريف على حكم هذا الواقع لكن هنا لا بد ان يمتد الفقه افقيا على هذه الساحة اكثر لان العلماء الذين ساهموا في تكوين هذا الاتجاه الموضوعي عبر قرون متعددة كانوا حريصين على ان يأخذوا هذه
---
( 24 )

(2/15)


الوقائع ويحيلوها الى الشريعة ليستنبطوا احكام الشريعة المرتبطة بتلك الوقائع لكن وقائع الحياة تتكاثر وتتجدد باستمرار وتتولد ميادين جديدة فلابد لهذه العملية من النمو باستمرار فتبدأ من الواقع لكن لا ذاك الواقع الساكن المحدود والذي كان يعيشه الشيخ الطوسي او المحقق الحلي ، لان ذاك الواقع كان يفي بحاجات عصرهما فالاجار والمضاربة والمزارعة والمساقات كانت تمثل السوق قبل ألف سنة أو قبل ثمانمائة سنة لكن ابواب السوق قد اتسعت ففيها العلاقات الاقتصادية اوسع واكثر تشابكا من هذا النطاق ، فلا بد للفقه من ان يكون كما كان على يد هؤلاء العلماء الذين كانوا حريصين على ان يعكسوا كل ما يستجد من وقائع الحياة على الشريعة ليأخذوا حكم الشريعة . لا بد ايضا من ان هذه العملية تسير افقيا كما سارت افقيا في البداية . هذا من الناحية الافقية .
من الناحية العمودية ايضا لا بد من ان يتوغل هذا الاتجاه الموضوعي في الفقه ، لا بد وان يتوغل ، لا بد وان ينفذ عموديا ، لا بد وان يصل الى النظريات الاساسية ، لا بد وان لا يكتفي بالبناءات العلوية وبالتشريعات التفصيلية ، لا بد وان ينفذ من خلال هذا التشريعات التي تمثل وجهة نظر الاسلام لاننا نعلم ان
---
( 25 )
كل مجموعة من التشريعات في كل باب من ابواب الحياة ترتبط بنظريات اساسية ، ترتبط بتطورات رئيسية لأحكام الاسلام ، تشريعات الاسلام ، في المذهب الاقتصادي بالاسلام ، احكام الاسلام في مجال النكاح والطلاق والزواج وعلاقات المرأة مع الرجل ترتبط بنظرياته الاساسية عن المرأة والرجل ودور المرأة والرجل هذه النظريات الاساسية التي تشكل القواعد النظرية لهذه الابنية العلوية ، لا بد ايضا من التوغل اليها ، لا ينبغي ان ينظر الى ذلك بوصفه عملا منفصلا عن الفقه ، بوصفه ترفا ، أدبا ، بل بوصفه ضرورة وينبغي اكتشافها بقدر الطاقة البشرية .

(2/16)


الان نعود الى التفسير بما ذكرناه من اوجه الخلاف بين التفسير الموضوعي والتفسير التجزيئي ، تبينت عدة افضليات تدعو الى تفضيل المنهج الموضوعي في التفسير على المنهج التجزيئي في التفسير فان المنهج الموضوعي في التفسير على ضوء ما ذكرناه يكون اوسع افقا وأرحب وأكثر عطاء باعتبار ان يتقدم خطوة عن التفسير التجزيئي كما أنه قادر على التجدد باستمرار ، على التطور والابداع باستمرار ، باعتبار ان التجربة البشرية تغني هذا التفسير بما تقدمه من مواد ، ثم هذه
---
( 26 )
المواد تطرح بين يدي القرآن الكريم وهذا هو الطريق الوحيد للحصول على النظريات الاساسية للاسلام وللقرآن ازاء موضوعات الحياة المختلفة وقد يقال بأنه ما الضرورة الى تحصيل هذه النظريات الاساسية ، ما الضرورة الى ان نفهم نظرية الاسلام في النبوة مثلا بشكل عام او نفهم نظرية الاسلام في سنن التاريخ او في التغير الاجتماعي بشكل عام او ان نفهم سنن الاسلام والارض ، ما الضرورة الى ان ندرس ونحدد هذه النظريات فاننا نجد بان النبي (ص) لم يعط هذه النظريات على شكل نظريات محدودة وصيغ عامة ، وانما اعطى القرآن بهذا الترتيب للمسلمين ، ما الضرورة الى ان نتعب انفسنا في سبيل هذه النظريات وتحديدها بعد ان لا حظنا ان النبي (ص) اكتفى باعطاء هذا المجموع ، هذا الشكل المتراكم بهذا الشكل ما الضرورة ان نستحصل هذه النظريات الحقيقة بأنه هناك اليوم ضرورة اساسية لتحديد هذه النظريات ولتحصيل هذه النظريات ولا يمكن ان يفترض الاستغناء عنها . النبي (ص) كان يعطي هذه النظريات ولكن من خلال التطبيق من خلال المناخ القرآني العام الذي كان بينه في الحياة
---
( 27 )

(2/17)


الاسلامية ، وكان كل فرد مسلم في إطار هذا المناخ ، كان يحمل نظرية ولو فهما اجماليا ارتكازيا لان المناخ والاطار الروحي والاجتماعي والفكري والتربوي الذي وصفه النبي (ص) كان قادرا على ان يعطي النظرة السليمة ، والقدرة السليمة على تقييم المواقع والمواقف والاحداث اذا اردنا ان نقرب هذه الفكرة نقول : قايسوا بين حالتين حالة الانسان الذي يعيش داخل عرف لغة من اللغات وانسان يريد ان يعرف ابناء هذه اللغة ، ابناء هذا العرف ، كيف تتمثل اذهانهم هذه المعاني الى الالفاظ ، كيف يحددون المعاني من الألفاظ ، هنا توجد حالتين احداهما : ان تأتي بهذا الانسان وتجعله يعيش في اعماق هذا العرف وفي اعماق هذه اللغة واذا صار كذلك واستمرت به الحياة في اطار هذا العرف وهذه اللغة فترة طويلة من الزمن سوف يتكون لديه الاطار اللغوي ، والعرفي الذي يستطيع من خلاله ان يتحرك ذهنه وفقا لما يريده العرف واللغة منه لان مدلولات تكون موجودة وجودا اجماليا ارتكازيا في ذهنه ، النظرة السليمة والتفهم السليم للكلمة الصحيحة ، وتمييزها عن الكلمة غير الصحيحة تكون موجودة عنده باعتبار انه عاش عرف اللغة ووجدانها في ممارساته بينما اذا كان الانسان خارج جناح تلك اللغة وعرفها واردت ان تنشئ
---
( 28 )

(2/18)


في ذهنه القدرة على التمييز اللغوي الصحيح فلا تستطيع التمييز اللغوي حينئذ الا عن طريق الرجوع الى قواعد تلك اللغة ، والى العرف الذي تربى فيه الانسان لكي تستنتج منه القواعد العامة والنظريات الشاملة ومثاله ما وقع بالنسبة الى علوم العربية كيف ان ابن اللغة لم يكن بحاجة الى ان يعلم علوم العربية في البداية لانه كان يعيش في اعماق عرف اللغة ، لكن بعد ان ابتعد عن تلك الاعماق واختلفت الاجواء وضعفت اللغة ، وتراكمت لغات اخرى اندست الى داخل حياة هؤلاء ، بدأ هؤلاء بحاجة الى علم لللغة ، الى نظريات لللغة لان الواقع لا يسفعهم بنظرة سليمة فلا بد حينئذ من علم لا بد من نظريات لكي يفكروا ولكي يناقشوا ولكي يتصرفوا لغويا وفقا لتلك القواعد والنظريات هذا المثال مثال تقريبي لأجل توضيح الفكرة .
اذا الصحابة الذين عاشوا في كنف الرسول الاعظم (ص) اذا كانوا لم يتلقوا النظريات بصيغ عامة فقد تلقوها تلقيا اجماليا ارتكازيا ، انتقشت في اذهانهم وسرت في افكارهم ، كان المناخ العام الاطار الاجتماعي والروحي والفكري الذي يعيشونه كله كان اطارا مساعدا على تفهم هذه النظريات ولو تفهما اجماليا وعلى توليد المقياس الصحيح في مقام التقييم .
---
( 29 )

(2/19)


اما حيث لا يوجد ذلك المناخ ، ذلك الاطار اذا تكون الحاجة الى دراسة لنظريات القرآن الكريم في الاسلام ، تكون حاجة حقيقية ملحة خصوصا مع بروز نظريات عديدة من خلال التفاعل بين انسان العالم الاسلامي وانسان العالم الغربي بكل ما يملك من رصيد عظيم ومن ثقافة متنوعة في مختلف مجالات المعرفة البشرية حينما وقع هذا التفاعل بين انسان العالم الاسلامي وانسان العالم الغربي وجد الانسان المسلم نفسه امام نظريات كثيرة في مختلف مجالات الحياة فكان عليه لكي يحدد موقف الاسلام من هذه النظريات ، كان لا بد وان يستنطق نصوص الإسلام ، ويتوغل في اعماق هذه النصوص ليصل الى مواقف الاسلام سلبا وايجاباً لكي يكتشف نظريات الاسلام التي تعالج نفس هذه المواضيع التي عاش بحثها التجارب البشرية الذكية في مختلف مجالات الحياة .
اذن فالتفسير الموضوعي في المقام هو افضل الاتجاهين في التفسير الا ان هذا لا ينبغي ان يكون المقصود منه الاستغناء عن التفسير التجزيئي ، هذه الافضلية لا تعني استبدال اتجاه باتجاه او طرح التفسير التجزيئي رأسا والاخذ بالتفسير الموضوعي ، وانما اضافة اتجاه الى اتجاه لان التفسير الموضوعي
---
( 30 )
ليس الا خطوة الى الامام بالنسبة الى التفسير التجزيئي ولا معنى للاستغناء عن التفسير التجزيئي باتجاه الموضوعي . وانما هي مسألة ضم الاتجاه الموضوعي في التفسير الى الاتجاه التجزيئي في التفسير ، يعني افتراض خطوتين خطوة هي التفسير التجزيئي وخطوة وأخرى هي التفسير الموضوعي .

(2/20)


الدرس الثالث :
استعرضنا فيما سبق المبررات الموضوعية والفكرية لايثار التفسير الموضوعي التوحيدي على التفسير التجزيئي التقليدي باعتبار أن التفسير الموضوعي أغنى عطاءا وأكثر قدرة على التحرك والأبداع وعلى تحديد المواقف النظرية الشاملة للقرآن الكريم .. الآن أود أن أذكر مبررا عمليا وهو ان شوط التفسير التقليدي شوط طويل جدا لانه يبدأ من سورة الفاتحة وينتهي بسورة الناس وهذا الشوط الطويل بحاجة من أجل اكماله الى فترة زمنية طويلة ايضا ولهذا لم يحض من علماء الاسلام الاعلام الا عدد محدود بهذا الشرف العظيم ، شرف مرافقة الكتاب الكريم من بدايته الى نهايته ونحن نشعر بأن هذه الايام المحدودة المتبقية لا تفي بهذا الشوط الطويل ولهذا كان من الافضل اختيار أشواط أقصر لكي نستطيع ان نكمل بضعة أشواط من هذا الجولان في رحاب القرآن الكريم . من هنا سوف نختار موضوعات متعددة من القرآن الكريم ونستعرض
---
( 32 )
ما يتعلق بذلك الموضوع وما يمكن أن يلقي عليه القرآن من أضواء . وسوف نحاول أن يكون البحث مربوطا بقدر الامكان لكي نستطيع أن نصل الى عدد من المواضيع المهمة . فنقتصر على الافكار الاساسية والمبادئ الرئيسية بالنسبة الى كل موضوع وسوف أحرص على أن لا يستوعب كل موضوع الا عددا محدودوا من المحاضرات . أرجو أن يكون بين خمس محاضرات الى عشر محاضرات لكي نستطيع أن نستوعب مواضيع متنوعة من القرآن الكريم .. الان نواجه هذا السؤال :
ما هو الموضوع الاول الذي سوف نبدأ به الان انشاء الله تعالى ؟

(3/1)


الموضوع الاول الذي سوف نختاره للبحث هو سنن التاريخ في القرآن الكريم ! هل للتاريخ البشري سنن في مفهوم القرآن الكريم ، هل له قوانين تتحكم في مسيرته وفي حركته وتطوره ، ما هي هذه السنن التي تتحكم في التاريخ البشري ، كيف بدأ التاريخ البشري ، كيف نما ، كيف تطور ، ما هي العوامل الاساسية في نظرية التاريخ ، ما هو دور الانسان في عملية التاريخ ، ما هو موقع السماء أو النبوة على الساحة الاجتماعية . هذا كله ما سوف ندرسه تحت هذا العنوان ، عنوان
---
( 23 )
سنن التاريخ في القرآن الكريم ، وهذا الجانب من القرآن الكريم قد بحث الجزء الاعظيم من مواده ومفرادته القرآنية لكن من زوايا مختلفة ، فمثلا قصص الانبياء (ع) التي تمثل الجزء الاعظم من هذه المادة القرآنية . بحثت قصص الانبياء من زاوية تاريخية تناولها المؤرخون واستعرضوا الحوادث والوقائع التي تكلم عنها القرآن الكريم ، وحينما لا حظوا الفراغات التي تركها هذا الكتاب العزيز ، حاولوا ان يملؤا هذه الفراغات بالروايات والاحاديث ، او بما هو المأثور عن أديان سابقة ، أو بالاساطير والخرافات فتكونت سجلات ذات طابع تاريخي لتنظيم هذه المادة القرآنية ، كذلك أيضاً بحثت هذه المادة القرآنية من زاوية أخرى ، من زاوية منهج القصة في القرآن ، مدى ما يتمتع به هذا المنهج من أصالة وقوة وابداع ، ما تزخر به القصة القرآنية من حيوية ، من حركة ، من أحداث ، هذا أيضا زاوية أخرى للبحث في هذه المادة يضاف الى زوايا عديدة . نحن الآن نريد ان نتناول هذه المادة القرآنية من زاوية أخرى ، من زاوية مقدار ما تلقي هذه المادة من أضواء على سنن التاريخ ، على تلك الضوابط والقوانين والنواميس التي تتحكم في عملية التاريخ اذا كان يوجد في مفهوم القرآن شيء من هذه النواميس والضوابط والقوانين .
---
( 34 )

(3/2)


الساحة التاريخية كأي ساحة أخرى زاخرة بمجموعة من الظواهر كما ان الساحة الفلكية ، الساحة الفيزيائية ، الساحة النباتية زاخرة بمجموعة من الظواهر ، كذلك الساحة التاريخية بالمعنى الذي سوف نفصل من التاريخ انشاء الله بعد ذلك ، زاخرة بمجموعة من الظواهر ، كما ان الظواهر في كل ساحة أخرى من الساحات لها سنن ولها نواميس فمن حقنا أن نتساءل : هل ان هذه الظواهر التي تزخر بها الساحة التاريخية ، هل هذه الظواهر ايضا ذات سنن وذات نواميس ، وما هو موقف القرآن الكريم من هذه السنن والنواميس ، وما هو عطاؤه في مقام تأكيد هذا المفهوم ايجابا أو سلبا ، اجمالا أو تفصيلا ، وقد يخيل الى بعض الاشخاص ، اننا لا ينبغي ان نترقب من القرآن الكريم أن يتحدث عن سنن التاريخ ، لان البحث في سنن التاريخ بحث علمي كالبحث في سنن الطبيعة والفلك والذرة والنبات ، والقرآن الكريم لم ينزل كتاب اكتشاف بل كتاب هداية ، القرآن الكريم لم يكن كتابا مدرسيا ، لم ينزل على رسول الله (ص) بوصفه معلما بالمعنى التقليدي من المعلم لكي يدرس مجموعة من المتخصصين والمثقفين ، وانما نزل هذا الكتاب عليه ليخرج الناس من الظلمات الى النور ، من ظلمات الجاهلية الى نور
---
( 35 )

(3/3)


الهداية والاسلام . اذن فهو كتاب هداية وتغيير وليس كتاب اكتشاف ، ومن هنا لا نترقب من القرآن الكريم ان يكشف لنا الحقائق والمبادئ العامة للعلوم الاخرى ولا نترقب من القرآن الكريم ان يتحدث لنا عن مبادئ الفيزياء أو الكيمياء أو النبات أو الحيوان ، صحيح أن في القرآن الكريم اشارات الى كل ذلك ، ولكنها اشارت بالحدود التي تؤكد على البعد الالهي للقرآن ، وبقدر ما يمكن أن يثبت العمق الرباني لهذا الكتاب الذي أحاط بالماضي والحاضر والمستقبل والذي استطاع أن يسبق التجربة البشرية مئات السنين في مقام الكشف عن حقائق متفرقة في الميادين العلمية المتفرقة ، لكن هذه الاشارات القرآنية انما هي لاجل غرض عملي من هذا القبيل لا من أجل تعليم الفيزياء والكيمياء . القرآن لم يطرح نفسه بديلا عن قدرة الانسان الخلاقة ، عن مواهبه وقابلياته في مقام الكدح ، الكدح في كل ميادين الحياة بما في ذلك ميدان المعرفة والتجربة ، القرآن لم يطرح نفسه بديلا عن هذه الميادين ، وانما طرح نفسه طاقة روحية موجهة للانسان ، مفجرة طاقاته ، محركة له في المسار الصحيح . فاذا كان القرآن الكريم كتاب هداية وتوجيه وليس كتاب اكتشاف وعلم فليس من الطبيعي أن
---
( 36 )

(3/4)


نترقب منه استعراض مبادئ عامة لأي واحد من هذه العلوم التي يقوم الفهم البشري بمهمة التوغل في اكتشاف نواميسها وقوانينها وضوابطها ، لماذا ننتظر من القرأن الكريم أن يعطينا عموميات ، أن يعطينا مواقف ، أن يبلور له مفهوما علميا في سنن التاريخ على هذه الساحة من ساحات الكون بينما ليس للقرآن مثل ذلك على الساحات الاخرى ، ولا حرج على القرآن في ان لا يكون له ذلك على الساحات الاخرى . لان القرآن لو صار لمقام استعراض هذه القوانين ، وكشف هذه الحقائق لكان بذلك يتحول الى كتاب آخر نوعيا ، يتحول من كتاب للبشرية جمعاء الى كتاب للمتخصصين يدرس في الحلقات الخاصة ، قد يلاحظ بهذا الشكل على اختيار هذا الموضوع الا ان هذه الملاحظة رغم ان الروح العامة فيها صحيحة بمعنى ان القرآن الكريم ليس كتاب اكتشاف ، ولم يطرح نفسه ليجمد في الانسان طاقات النمو والابداع والبحث ، وانما هو كتاب هداية ، ولكن مع هذا يوجد فرق جوهري بين الساحة التاريخية وبقية ساحات الكون ، هذا الفرق الجوهري يجعل من هذه الساحة ومن سنن هذه الساحة أمرا مرتبطا أشد الارتباط بوظيفة القرآن ككتاب هداية ، خلافا لبقية الساحات الكونية والميادين الاخرى
---
( 37 )

(3/5)


للمعرفة البشرية ، وذلك ان القرآن الكريم كتاب هداية وعملية تغيير هذه العملية التي عبر عنها في القرآن الكريم بأنها اخراج للناس من الظلمات الى النور ، وعملية التغيير هذه فيها جانبان الجانب الاول جانب المحتوى المضمون اليه هذه العملية التغييرية من احكام ، من مناهج ، ما تتبناه من تشريعات ، هذا الجانب من عملية التغيير جانب رباني ، جانب الهي سماوي ، هذا الجانب يمثل شريعة الله سبحانه وتعالى التي نزلت على النبي محمد (ص) وتحدت بنفس نزولها عليه كل سنن التاريخ المادية لان هذه الشريعة كانت اكبر من الجو الذي نزلت عليه ، ومن البيئة التي حلت فيها ، ومن الفرد الذي كلف بأن يقوم بأعباء تبليغها . هذا الجانب من عملية التغيير ، جانب المحتوى والمضمون ، جانب التشريعات والاحكام والمناهج التي تدعو اليها هذه العملية ، هذا الجانب جانب رباني الهي ، لكن هناك جانب آخر عملية التغيير التي مارسها النبي (ص) وأصحابه الاطهار ، هذه العملية حينما تلحظ بوصفها عملية متجسدة في جماعة من الناس وهم النبي والصحابة ، بوصفها عملية اجتماعية متجسدة في هذه الصفوة ، وبوصفها عملية قد واجهت تيارات اجتماعية مختلفة من حولها واشتبكت
---
( 38 )

(3/6)


معها في ألوان من الصراع والنزاع العقائدي والاجتماعي والسياسي والعسكري ، حينما تؤخذ هذه العملية التغييرية بوصفها تجسيدا بشريا على الساحة التاريخية مترابطا مع الجماعات والتيارات الاخرى التي تكتنف هذا التجسيد والتي تؤيد أو تقاوم هذا التجسيد ، حينما تؤخذ العملية من هذه الزاوية تكون عملية بشرية ، يكون هؤلاء اناسا كسائر الناس تتحكم فيهم الى درجة كبيرة سنن التاريخ التي تتحكم في بقية الجماعات وفي بقية الفئات على مر الزمن . اذن عملية التغيير التي مارسها القرآن ومارسها النبي (ص) لها جانبان من حيث صلتها بالشريعة وبالوحي ومصادر الوحي ، هي ربانية ، هي فوق التاريخ ولكن من حيث كونها هي عملا قائما على الساحة التاريخية ، من حيث كونها جهدا بشريا يقاوم جهودا بشرية اخرى ، من هذه الناحية يعتبر هذا عملا تاريخيا تحكمه سنن التاريخ وتتحكم فيه الضوابط التي وضعها الله سبحانه وتعالى لتنظيم ظواهر الكون في هذه الساحة المسماة بالساحة التاريخية ولهذا نرى ان القرآن الكريم حينما يتحدث عن الزاوية الثانية ، عن الجانب الثاني من عملية التغيير يتحدث عن أناس ، يتحدث عن بشر ، لا يتحدث عن رسالة
---
( 39 )

(3/7)


السماء ، بل يتحدث عنهم بوصفهم بشرا من البشر تتحكم فيهم القوانين التي تتحكم في الاخرين حينما أراد أن يتحدث عن انتصار المسلمين في غزوة أحد بعد ان احرزوا ذلك الانتصار الحاسم في غزوة بدر ، بعد ذلك انكسروا وخسروا المعركة في غزوة أحد ، تحدث القرآن الكريم عن هذه الخسارة ، ماذا قال ، هل قال بان رسالة السماء خسرت المعركة بعد ان كانت ربحت المعركة ؟ لا .. لان رسالة السماء فوق مقاييس النصر والهزيمة بالمعنى المادي ، رسالة السماء لا تهزم ، ولن تهزم ابدا ، ولكن الذي يهزم هو الانسان ، الانسان حتى ولو كان هذا الانسان مجسدا لرسالة السماء ، لان هذا الانسان تتحكم فيه سنن التاريخ ، ماذا قال القرآن ؟ قال وتلك الايام نداولها بين الناس (1) . هنا اخذ يتكلم عنهم بوصفهم اناسا قال بان هذه القضية هي في الحقيقة ترتبط بسنن التاريخ ، المسلمون انتصروا في بدر حينما كانت الشروط الموضوعية للنصر بحسب منطق سنن التاريخ تفرض ان ينتصروا ، وخسروا المعركة في اُحد حينما كانت الشروط الموضوعية في معركة اُحد تفرض عليهم ان يخسروا المعركة . ان يمسكم قرح فقد
____________
(1) سورة آل عمران : الآية (140) .
---
( 40 )

(3/8)


مس القوم قرح مثله (1) ، وتلك الايم نداولها بين الناس لا تتخيلوا ان النصرن حق الهي لكم ، وانما النصر حق طبيعي لكم بقدر ما يمكن ان توفروا الشروط الموضوعية لهذا النصر بحسب منطق سنن التاريخ التي وضعها الله سبحانه وتعالى كونيا لا تشريعيا ، وحيث انكم في غزوة اُحد لم تتوفر لديكم هذه الشروط ولهذا خسرتم المعركة . فالكلام هنا كلام مع بشر ، مع عملية بشرية لا مع رسالة ربانية ، بل يذهب القرآن الى اكثر من ذلك ، يهدد هذه الجماعة البشرية التي كانت انظف واطهر جماعة على مسرح التاريخ ، يهددهم بانهم اذا لم يقوموا بدورهم التاريخي ، واذا لم يكونوا على مستوى مسؤولية رسالة السماء فان هذا لا يعني ان تتعطل رسالة السماء ، ولا يعني ان تسكت سنن التاريخ عنهم بل انهم سوف يستبدلون ، سنن التاريخ سوف تعزلهم وسوف تأتي بأمم اخرى قد تهيأت لها الظروف الموضوعية الافضل لكي تلعب هذا الدور ، لكي تكون شهيدة على الناس اذا لم تتهيأ لهذه الامة الظروف الموضوعية لهذه الشهادة الا تنفروا يعذبكم عذابا اليما ، ويستبدل قوما غيركم ولا تضروه شيئاً والله على كل شيء
____________
(1) نفس الآية السابقة .
---
( 41 )

(3/9)


قدير (1) ، يا ايها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله واسع عليم .. (2) . اذن فالقرآن الكريم انما يتحدث مع الجانب الثاني من عملية التغيير ، يتحدث مع البشر في ضعفه وقوته ، في استقامته وانحرافه ، في توفر الشروط الموضوعية له وعدم توفرها . من هنا يظهر بان البحث في سنن التاريخ مرتبط ارتباطا عضويا شديدا بكتاب الله بوصفه كتاب هدى ، بوصفه اخراج للناس من الظلمات الى النور لان الجانب العملي من هذه العملية ، الجانب البشري يخضع لسنن التاريخ ، فلا بد اذن ان نستلهم ، ولا بد اذن ان يكون للقرآن الكريم تصورات وعطاءات في هذا المجال لتكوين اطار عام للنظرة القرآنية والاسلامية عن سنن التاريخ . اذن هذا لا يشبه سنن الفيزياء والكيمياء والفلك والحيوان والنبات ، تلك السنن ليست داخلة في نطاق التأثير المباشر على عملية التاريخ ولكن هذه السنن داخلة في
____________
(1) سورة التوبة : الآية ( 39 ) .
(2) سورة المائدة : الآية ( 54 ) .
---
( 42 )

(3/10)


نطاق التأثير المباشر على عملية التغيير . باعتبار الجانب الثاني ، اذن لا بد من شرح ذلك ولا بد ان نترقب من القرآن اعطاء عموميات في ذلك ، نعم لا ينبغي ان نترقب من القرآن ان يتحول ايضا الى كتاب مدرسي في علم التاريخ وسنن التاريخ بحيث يستوعب كل التفاصيل وكل الجزئيات حتى ما لا يكون له دخل في منطق عملية التغيير التي مارسها النبي (ص) وانما القرآن الكريم يحتفظ دائما بوصفه الاساسي والرئيسي ، يحتفظ بوصفه كتاب هداية ، كتاب اخراج للناس من الظلمات الى النور ، وفي حدود هذه المهمة الكبيرة العظيمة التي مارسها يعطي مقولاته على الساحة التاريخية ويشرح سنن التاريخ بالقدر الذي يلقي ضوءا على عملية التغيير التي مارسها النبي (ص) بقدر ما يكون موجها وهاديا وخالقا لتبصر موضوعي للاحداث والظروف والشروط . ونحن في القرآن الكريم نلاحظ ان الساحة التاريخية عامرة بسنن كما عمرت كل الساحات الكونية الاخرى بسنن . هذه الحقيقة نراها واضحة في القرآن الكريم ، فقد بينت هذه الحقيقة باشكال مختلفة وبأساليب متعددة في عدد كثير من الآيات بينت على مستوى اعطاء نفس هذه المفهوم بالنحو الكلي ، ان للتاريخ سنن وان للتاريخ قوانين ، وبينت هذه الحقيقة في آيات اخرى
---
( 43 )
على مستوى عرض هذه القوانين وبيان مصاديق ونماذج وامثلة من هذه القوانين التي تتحكم في المسيرة التاريخية للانسان وبينت في سياق آخر على نحو تمتزج فيه النظرية مع التطبيق أي بين المفهوم الكلي وبين في اطار مصداقه وفي آيات اخرى حصل الحث الاكيد على الاستفادة من الحوادث الماضية وشحذ الهمم لايجاد عملية استقراء للتاريخ وعملية الاستقراء للحوادث كما تعلمون هي عملية علمية بطبيعتها ، تريد ان تفتش عن سنة عن قانون والا فلا معنى للاستقراء من دون افتراض سنة او قانون . اذن هناك السنة متعددة درجت عليها الآيات القرآنية في مقام توضيح هذه الحقيقة وبلورتها .
---
( 44 )
الدرس الرابع :

(3/11)


قلنا ان هذه الفكرة القرآنية عن سنن التاريخ بلورت في عدد كثير من الآيات باشكال مختلفة وألسنة متعددة في بعض هذه الآيات اعطيت الفكرة بصيغتها الكلية وفي بعض الآيات اعطيت على مستوى التطبيق على مصاديق ونماذج ، في بعض الآيات وقع الحث على الاستقراء وعلى الفحص الاستقرائي للشواهد التاريخية من اجل الوصول الى السنة التاريخية وهناك عدد كثير من الآيات الكريمة استعرضت هذه الفكرة بشكل وآخر وسوف نقرأ جملة من هذه الآيات الكريمة وبعض هذه الآيات التي سنستعرضها واضح الدلالة على المقصود والبعض الآخر له نحو دلالة بشكل وآخر او يكون معززا ومؤيدا للروح العامة لهذه الفكرة القرآنية ... فمن الآيات الكريمة التي اعطيت فيها الفكرة الكلية ، فكرة ان التاريخ له سنن وضوابط ما يلي : لكل امة أجل اذا جاء أجلهم فلا يستأخرون ساعة
---
( 45 )
ولا يستقدمون (1) . ولكل امة أجل فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون (2) .

(3/12)


نلاحظ في هاتين الآيتين الكريمتين ان الاجل اضيف الى الامة ، الى الوجود المجموعي للناس ، لا الى هذا الفرد بالذات او هذا الفرد بالذات ، اذن هناك وراء الاجل المحدود المحتوم لكل انسان بوصفه الفردي ، هناك أجل آخر وميقات آخر للوجود الاجتماعي لهؤلاء الافراد ، للامة بوصفها مجتمعا ينشيء ما بين افراده العلاقات والصلات القائمة على مجموعة من الافكار والمبادىء المسندة بمجموعة من القوى والقابليات . هذا المجتمع الذي يعبر عنه القرآن الكريم بالامة . هذا له أجل ، له موت ، له حياة ، له حركة ، كما ان الفرد يتحرك فيكون حيا ثم يموت كذلك الامة تكون حية ثم تموت ، وكما ان موت الفرد يخضع لاجل ولقانون ولناموس كذلك الامم لها آجالها المضبوطة وهناك نواميس تحدد لكل امة هذا الاجل ، اذن هاتان الآيتان الكريمتان فيهما عطاء واضح للفكرة الكلية ، فكرة ان التاريخ له سنن تتحكم به وراء السنن الشخصية التي تتحكم في الافراد ، بهوياتهم الشخصية وما اهلكنا من قرية الا ولها كتاب معلوم
____________
(1) سورة يونس : الآية (49) .
(2) سورة الاعراف : الآية (34) .
---
( 46 )
ما تسبق من امة أجلها وما يستأخرون (1) . ما تسبق من أمة أجلها وما يستأخرون (2) . او لم ينظروا في ملكوت السموات والارض وما خلق الله من شيء وان عسى ان يكون قد اقترب أجلهم فبأي حديث بعده يؤمنون (3) .

(3/13)


ظاهر الآية الكريمة ان الاجل الذي يترقب ان يكون قريبا او يهدد هؤلاء بأن يكون قريبا هو الاجل الجماعي لا الاجل الفردي لان قوما بمجموعهم لا يموتون عادة في وقت واحد وانما الجماعة بوجودها المعنوي الكلي هو الذي يمكن ان يكون قد اقترب أجله . فالاجل الجماعي هنا يعبر عن حالة قائمة بالجماعة لا عن حالة قائمة بهذا الفرد او بذاك ، لان الناس عادة تختلف آجالهم حينما ننظر اليها بالمنظار الفردي ، لكن حينما ننظر اليهم بالمنظار الاجتماعي بوصفهم مجموعة واحدة متفاعلة في ظلمها وعدلها ، في سرائها وضرائها ، حينئذ يكون لها أجل واحد . فهذا الاجل الجماعي المشار اليه انما هو أجل الامة وبهذا تلتقي هذه الآية الكريمة مع الآيات السابقة ... وربك الغفور ذو الرحمة لو
____________
(1) سورة الحجر : الآية : (4ـ5) .
(2) سورة المؤمنون : الآية (43) .
(3) سورة الاعراف : الآية (185) .
---
( 47 )
يؤاخذهم بما كسبوا لعجل لهم العذاب بل لهم موعد لن يجدوا من دونه موئلا وتلك القرى اهلكناهم لما ظلموا وجعلنا لمهلكم موعدا (1) . ولو يؤاخذ الله الناس بظلمهم ما ترك عليها دابة ولكن يؤخرهم الى أجل مسمى فاذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون (2) . ولو يؤاخذ الله الناس بما كسبوا ما ترك على ظهرها من دابة ولكن يؤخرهم الى أجل مسمى فاذا جاء أجلهم فان الله كان بعباده خبيرا (3) .

(3/14)


في هاتين الآيتين الكريمتين تحدث القرآن الكريم عن انه لو كان الله يريد ان يؤاخذ الناس بظلمهم وبما كسبوا لما ترك على ساحة الناس من دابة ولا هلك الناس جميعا . وقد وقعت مشكلة في كيفية تصوير هذا المفهوم القرآني حيث ان الناس ليسوا كلهم ظالمين عادة ، فيهم الانبياء ، فيهم الائمة الاوصياء هل يشمل الهلاك الانبياء والائمة العدول من المؤمنين ، حتى ان بعض الناس أستغل هاتين الآيتين لانكار عصمة الانبياء (ع) والحقيقة ان هاتين الآيتين تتحدثان عن عقاب دنيوي لا عن عقاب أخروي ، تتحدث عن النتيجة الطبيعية لما
____________
(1) سورة الكهف : الآية (58ـ59) .
(2) سورة النحل : الآية (61) .
(3) سورة فاطر : الآية (45) .
---
( 48 )

(3/15)


تكسبه امة عن طريق الظلم والطغيان ، هذه النتيجة الطبيعية لا تختص حينئذ بخصوص الظالمين من ابناء المجتمع بل تعم أبناء المجتمع على اختلاف هوياتهم وعلى اختلاف انحاء سلوكهم . حينما وقع التيه على بني اسرائيل نتيجة ما كسب هذا الشعب بظلمه وطغيانه وتمرده ، هذا التيه لم يختص بخصوص الظالمين من بني اسرائيل وانما شمل موسى (ع) شمل اطهر الناس واذكى الناس ، واشجع الناس في مواجهة الظلمة والطواغيت ، لان موسى (ع) جزء من تلك الامة وقد حل الهلاك بها قد قرر نتيجة ظلمهم ان يتيهوا أربعين عاما وبهذا شمل التيه موسى (ع) . حينما حل البلاء والعذاب بالمسلمين نتيجة انحرافهم فاصبح يزيد بن معاوية خليفة عليهم يتحكم في دمائهم واموالهم واعراضهم وعقائدهم ، حينما حل هذا البلاء لم يختص بالظالمين من المجتمع الاسلامي ، وقتئذ شمل الحسين (ع) ، أطهر الناس وأزكى الناس واطيب الناس وأعدل الناس . شمل الامام المعصوم (ع) فقتل تلك القتلة الفظيعة هو واصحابه وأهل بيته ، هذا كله هو منطق سنة التاريخ والعذاب حينما يأتي في الدنيا على مجتمع وفق سنن التاريخ ، لا يختص بالظالمين من ابناء ذلك المجتمع ولهذا قال القرآن الكريم في آية اخرى واتقوا فتنة لا
---
( 49 )
تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة واعلموا ان الله شديد العقاب (1) بينما يقول في موضع آخر ولا تزر وازرة وزر اخرى (2) . فالعقاب الاخروي دائما ينصب على العامل مباشرة ، وأما العقاب الدنيوي فيكون اوسع من ذلك ، اذن هاتان الآيتان تتحدثان عن سنن التاريخ لا عن العقاب بالمعنى الاخروي والعذاب بمقاييس يوم القيامة بل عن سنن التاريخ وما يمكن ان يحصل نتيجة كسب الامة ، سعي الامة ، جهد الامة ... وان كادوا ليستفزونك من الارض ليخرجوك منها واذن لا يلبثون خلافك الا قليلا سنة من قد ارسلنا من قبلك من رسلنا ولا تجد لسنتنا تحويلا (3) .

(3/16)


هذه الآية الكريمة أيضا تؤكد المفهوم العام ، يقول ولا تجد لسنتنا تحويلا ، هذه سنة سلكناها مع الانبياء من قبلك وسوف تستمر ولن تتغير ، أهل مكة يحالون أن يستفزوك لتخرج من مكة لانهم عجزوا عن امكانية القضاء عليك وعلى كلمتك وعلى دعوتك ، ولهذا صار أمامهم طريق واحد وهو اخراجك من مكة .
وهناك سنة من سنن التاريخ سوف يأتي شرحها بعد
____________
(1) سورة الانفال : الآية (25) .
(2) سورة فاطر : الآية (18) .
(3) سورة الاسراء : الآية (76ـ77) .
---
( 50 )
ذلك يشار اليها في هذه الآية الكريمة . وهي أنه اذا وصلت عملية المعارضة الى مستوى اخراج النبي من هذا البلد بعد عجز هذه المعارضة عن كل الوسائل والاساليب الاخرى فانهم لا يلبثون بعده الا قليلا . ليس المقصود من انهم لا يلبثون الا قليلا يعني انه سوف ينزل عليهم عذاب الله سبحانه وتعالى من السماء ، لان أهل مكة اخرجوا النبي بعد نزول هذه السورة . استفزوه وارعبوه وخرج النبي (ص) من مكة اذ لم يجد له أمانا وملجأ فيها فخرج الى المدينة ولم ينزل عذاب من السماء على أهل مكة ، وانما المقصود في أكبر الظن من هذا التعبير أنهم لا يمكثون كجماعة صامدة معارضة يعني كموقع اجتماعي لا يمكثون ، لا كأناس ، كبشر ، وانما هذا الموقع سوف ينهار نتيجة هذه العملية ، لا يمكثون الا قليلا لان هذه النبوة التي عجز هذا المجتمع عن تطويقها سوف تستطيع بعد ذلك ان تهز هذه الجماعة كموقع للمعارضة ، وهذا ما وقع فعلا . فان رسول الله (ص) حين أخرج من مكة لم يمكثوا بعده الا قليلا ، اذ فقدت المعارضة في مكة موقعها ، وتحولت مكة الى جزء من دار الاسلام بعد سنين معدودة .
اذن الآية تتحدث عن سنة من سنن التاريخ ، وتؤكد وتقول ولا تجد لسنتنا تحويلا قد خلت من
---
( 51 )

(3/17)


قبلكم سنن فسيروا في الارض فانظروا كيف كانت عاقبة المكذبين (1) . تؤكد هذه الآية على السنن وتؤكد على الحق والتتبع لاحداث التاريخ من اجل استكشاف هذه السنن والاعتبار بها ، ولقد كذبت رسل من قبلك فصبروا على ما كذبوا وأوذوا حتى أتاهم نصرنا ولا مبدل لكلمات الله ولقد جاءك من نبأ المرسلين ... (2) . هذه الآية ايضا تثبت قلب رسول الله (ص) ، تحدثه عن التجارب السابقة ، تربطه بقانون التجارب السابقة توضح له ان هناك سنة تجري عليه وتجري على الانبياء الذين مارسوا التجربة من قبله وان النصر سوف يأتيه ولكن للنصر شروطه الموضوعية : الصبر والثبات واستكمال الشروط ، هذا هو طريق الحصول على هذا النصر ، ولهذا يقول فصبروا على ما كذبوا وأوذوا حتى اتاهم نصرنا ، لا مبدل لكلمات الله اذن هناك كلمة لله لا تتبدل على مر التاريخ هذه الكلمة هي علاقة قائمة بين النصر وبين مجموعة من الشروط والقضايا والمواصفات وضحت في آيات متفرقة وجمعت على وجه الاجمال هنا . اذن فهناك سنة للتاريخ ... فلما جاءهم نذير ما زادهم الا نفورا
____________
(1) سورة آل عمران : الآية (137).
(2) سورة الانعام : الآية (34) .
---
( 52 )
استكبارا في الارض ومكر السيء ولا يحيق المكر السيء الا بأهله فهل ينظرون الا سنة الاولين فلن تجد لسنة الله تبديلا ولن تجد لسنة الله تحويلا (1) . لو قاتلكم الذين كفروا لولوا الادبار ثم لا يجدون وليا ولا نصيرا سنة الله قد خلت من قبل ولن تجد لسنة الله تبديلا (2) .

(3/18)


هناك آيات استعرضت نماذج من سنن التاريخ ان الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم (3) المحتوى الداخلي النفسي والروحي للانسان هو القاعدة ، الوضع الاجتماعي هو البناء العلوي ، لا يتغير هذا البناء العلوي الا وفقا لتغير القاعدة على ما يأتي انشاء الله شرحه بعد ذلك . هذه الآية اذن تتحدث عن علاقة معينة بين القاعدة والبناء العلوي ، بين الوضع النفسي والروحي والفكري للانسان وبين الوضع الاجتماعي ، بين داخل الانسان وبين خارج الأنسان ، فخارج الأنسان يصنعه داخل الانسان ، مرتبط بداخل الانسان ، فاذا تغير ما بنفس القوم تغير وضعهم ، وعلاقاتهم والروابط التي تربط بعضهم ببعض . اذن فهذه سنة
____________
(1) سورة فاطر : الآية (43) .
(2) سورة الفجر : الآية (23) .
(3) سورة الرعد : الآية (11) .
---
( 53 )

(3/19)


من سنن التاريخ ربطت القاعدة بالبناء العلوي ذلك بأن الله لم يكن مغيرا نعمة انعمها على قوم حتى يغيروا ما بأنفسهم (1) . أم حسبتم ان تدخلوا الجنة ولما يأتيكم مثل الذين خلوا من قبلكم مستهم البأساء والضراء وزلزلوا حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر الله الا ان نصر الله قريب (2) . يستنكر عليهم ان يأملوا في ان يكون لهم استثناء من سنن التاريخ ، هل تطمعون ان يكون لكم استثناء من سنة التاريخ ! وان تدخلوا الجنة وان تحققوا النصر وانتم لم تعيشوا ما عاشته تلك الامم التي انتصرت ودخلت الجنة من ظروف البأساء والضراء التي تصل الى حد الزلزال على ما عبر القرآن الكريم ، ان هذه الحالات ، حالات البأساء والضراء التي تتعملق على مستوى الزلزال هي في الحقيقة مدرسة للامة ، هي امتحان لارادة الامة ، لصمودها ، لثباتها ، لكي تستطيع بالتدريج ان تكتسب القدرة على ان تكون امة وسطا بين الناس . اذن نصر الله قريب لكن النصر له طريق . هكذا يريد ان يقول القرآن . نصر الله ليس أمرا عفويا ، ليس أمرا على سبيل الصدفة ، ليس امرا عمياويا . نصر الله قريب
____________
(1) سورة الانفال : الآية (53) .
(2) سورة البقرة : الآية (214) .
---
( 54 )
ولكن اهتدي الى طريقه ، الطريق لا بد ان تعرف فيه سنن التاريخ ، لا بد وان تعرف فيه منطق التاريخ لكي تستطيع ان تهتدي فيه الى نصر الله سبحانه وتعالى ، قد يكون الدواء قريبا من المريض لكن اذا كان هذا المريض لا يعرف تلك المعادلة العلمية التي تؤدي الى اثبات ان هذا الدواء يقضي على جرثومة هذا الداء ، لا يستطيع ان يستعمل هذا الدواء حتى ولو كان قريبا منه .

(3/20)


اذن الاطلاع على سنن التاريخ هو الذي يمكن الانسان من التوصل الى النصر . فهذه الآية تستنكر على المخاطبين لها ان يكونوا طامعين في الاستثناء من سنن التاريخ ... وما ارسلنا في قرية من نذير الا قال مترفوها انا بما ارسلتم به كافرن وقالوا نحن اكثر اموالا واولادا وما نحن بمعذبين .. (1) . هذه علاقة قائمة بين النبوة على مر التاريخ وبين موقع المترفين والمسرفين في الامم والمجتمعات . هذه العلاقة تمثل سنة من سنن التاريخ ، وليست ظاهرة وقعت في التاريخ صدفة والا لما تكررت بهذا الشكل المطرد لما قال وما ارسلنا في قرية من نذير الا قال مترفوها اذن هناك علاقة سلبية ، هناك علاقة تطارد وتناقض ، بين
____________
(1) سورة سبأ : الآيات (34ـ35) .

(3/21)


موقع النبوة الاجتماعي في حياة الناس على الساحة التاريخية والموقع الاجتماعي للمترفين والمسرفين ، هذه العلاقة ترتبط في الحقيقة بدور النبوة في المجتمع ودور المترفين والمسرفين في المجتمع . هذه العلاقة جزء من رؤية موضوعية عامة للمجتمع ، بما سوف يتضح انشاء الله حينما نبحث عن دور النبوة في المجتمع والموقع الاجتماعي للنبوة ، سوف يتضح حينئذ ان النقيض الطبيعي للنبوة هي موقع المترفين والمسرفين . اذن هذه سنة من سنن التاريخ .. واذا أردنا ان نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها فحق عليها القول فدمرناها تدميرا وكم أهلكنا من القرون من بعد نوح وكفى بربك بذنوب عبادة خبيرا بصيرا (1) .
هذه الآية أيضا تتحدث عن علاقة معينة بين ظلم يسود ويسيطر وبين هلاك تجر اليه الامة جرا . وهذه العلاقة ايضا الآية تؤكد انها علاقة مطردة على مر التاريخ وهي سنة من سنن التاريخ ولو انهم اقاموا التوراة والانجيل وما أنزل اليهم من ربهم لاكلو من فوقهم ومن تحت أرجلهم ... (2) . ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والارض
____________
(1) سورة الاسراء : الآية (16ـ17) .
(2) سورة المائدة : الآية (66) .
---
( 56 )
ولكن كذبوا فأخذناهم بما كانوا يكسبون (1) . وألو استقاموا على الطريقة لاسقيناهم ماء غدقا بل قالوا انا وجدنا آباءنا على امة وانا على آثارهم مهتدون (2) .

(4/1)


هذه الآيات الثلاث تتحدث عن علاقة معينة هي علاقة بين الاستقامة وتطبيق احكام الله سبحانه وتعالى وبين وفرة الخيرات وكثرة الانتاج ـ وبلغة اليوم بين عدالة التوزيع وبين وفرة الانتاج ـ القرآن يؤكد ان المجتمع الذي تسوده العدالة في التوزيع هذه العدالة في التوزيع التي عبر عنها القرآن ـ تارة ـ ألو استقاموا على الطريقة لاسقيناهم ماء غدقا ـ وأخرى ـ لو ان اهل القرى آمنوا واتقوا ـ واخرى ـ بأنهم لو أنهم اقاموا التوراة والانجيل ، لان شريعة السماء نزلت من اجل تقرير عدالة التوزيع ، من اجل انشاء علاقات التوزيع على اسس عادلة ، يقول لو انهم طبقوا عدالة التوزيع لما وقعوا في ضيق من ناحية الثروة المنتجة وفي فقر بل لازداد الثراء والمال وازدادت الخيرات والبركات . لكنهم تخيلوا ان عدالة التوزيع تقتضي الفقر بينما الحقيقة السنة التاريخية تؤكد عكس ذلك ، تؤكد بأن
____________
(1) سورة الاعراف : الآية (96) .
(2) سورة الزخرف : الآية (22) .
---
( 57 )

(4/2)


تطبيق شريعة السماء وتجسيد احكامها في علاقات التوزيع تؤدي دائما وباستمرار الى زيادة الانتاج والى كثرة الثروة ، الى ان يفتح على الناس بركات السماء والارض . اذن هذه ايضا سنة من سنن التاريخ . وهناك آيات اخرى اكدت على الاستقراء والنظر والتدبر في الحوادث التاريخية من اجل تكوين نظرة استقرائية من اجل الخروج بنواميس وسنن كونية للساحة التاريخية ... افلم يسيروا في الارض فينظروا كيف كان عاقبة الذين كانوا من قبلهم دمر الله عليهم وللكافرين امثالها .. (1) . افلم يسيروا في الارض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم (2) . وكأي من قرية أهلكناها وهي ظالمة وهي خاوية على عروشها وبئر معطلة وقصر مشيد ، أفلم يسيروا في الارض فتكون لهم قلوب يعقلون بها او آذان يسمعون بها فانها لا تعمى الابصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور ... (3) . وكم اهلكنا قبلهم من قرية هم أشد منهم بطشا فنقبوا في البلاد هل من محيص ، ان في ذلك لذكرى لمن كان له قلب او ألقى السمع وهو
____________
(1) سورة محمد : الآية (10) .
(2) سورة يوسف : الآية (109) .
(3) سورة الحج : الآية (120) .
---
( 58 )
شهيد ... (1) .

(4/3)


من مجموع هذه الآيات الكريمة يتبلور المفهوم القرآني .. وهو تأكيد القرآن على ان الساحة التاريخية لها سنن ولها ضوابط كما يكون هناك سنن وضوابط لكل الساحات الكونية الاخرى .. وهذا المفهوم القرآني يعتبر فتحا عظيما للقرآن الكريم .. لاننا بحدود ما نعلم القرآن اول كتاب عرفه الانسان أكد على هذا المفهوم وكشف عنه وأصر عليه وقاوم بكل ما لديه من وسائل الاقناع والتفهيم ، قاوم النظرة العفوية او النظرة الغيبية الاستسلامية بتفسير الاحداث ، الانسان الاعتيادي كان يفسر احداث التاريخ بوصفها كومة متراكمة من الاحداث ، يفسرها على اساس الصدفة تارة وعلى اساس القضاء والقدرة والاستسلام لامر الله سبحانه وتعالى . القرآن الكريم قاوم هذه النظرة العفوية وقام هذه النظرة الاستسلامية ونبه العقل البشري الى ان هذه الساحة لها سنن ولها قوانين وانه لكي تستطيع ان تكون انسانا فاعلا مؤثرا لا بد لك ان تكتشف هذه السنن ، لا بد وان تتعرف على هذه القوانين لكي تستطيع ان تتحكم فيها والا تحكمت هي فيك وانت مغمض العينين ، افتح عينيك على هذه
____________
(1) سورة ق : الآية (36ـ37) .
---
( 59 )
القوانين وعلى هذه السنن لكي تكون أنت المتحكم لا لكي تكون هذه السنن هي المتحكمة فيك .

(4/4)


هذا الفتح القرآني الجليل هو الذي مهد الى تنبيه الفكر البشري بعد ذلك بقرون الى ان تجرى محاولات لفهم التاريخ فهما عمليا بعد نزول القرآن بثمانية قرون بدأت هذه المحاولات على أيدي المسلمين انفسهم فقام ابن خلدون بمحاولة لدراسة التاريخ وكشف سننه وقوانينه ثم بعد ذلك بأربعة قرون ( على اقل تقدير ) اتجه الفكر الاوربي في بدايات ما يسمى بعصر النهضة ، بدأ لكي يجسد هذا المفهوم الذي ضيعه المسلمون ، والذي لم يستطع المسلمون ان يتوغلوا الى اعماقه ، هذا المفهوم اخذه الفكر الغربي في بدايات عصر النهضة وبدأت هناك ابحاث متنوعة ومختلفة حول فهم التاريخ وفهم سننه ونشأت على هذا الاساس اتجاهات مثالية ومادية ومتوسطة ومدارس متعددة ، كل واحدة منها تحاول ان تحدد نواميس التاريخ . وقد تكون المادية التاريخية اشهر هذه المدارس واوسعها تغلغلا واكثرها تأثيرها في التارخ نفسه ، اذن كل هذا الجهد البشري في الحقيقة هو استمرار لهذا التنبيه القرآني ويبقى للقرآن الكريم مجده في انه طرح هذه الفكرة لاول مرة على ساحة المعرفة البشرية .
---
( 60 )
الدرس الخامس :
من خلال استعراضنا السابق للنصوص القرآنية البينة التي اوضحت فكرة السنن التاريخية واكدت عليها ، يمكننا ان نستلخص من خلال المقارنة بين تلك النصوص ثلاث حقائق اكد عليها القرآن الكريم بالنسبة الى سنن التاريخ .
الحقيقة الاولى :
هي الاضطراد بمعنى ان السنة التاريخية مضطردة ليست علاقة عشوائية ذات طابع موضوعي لا تتخلف في الحالات الإعيادية التي تجري فيها الطبيعة والكون وعلى السنن العامة وكان التأكيد على طابع الاضطراد في السنة تأكيدا على الطابع العلمي للقانون التاريخي ، لان القانون العلمي أهم مميز يميزه عن بقية المعادلات والفروض والاضطراد والتتابع وعدم التخلف .
ومن هنا استهدف القرآن الكريم من خلال التأكيد على طابع الاضطراد في السنة التاريخية ، استهدف ان
---
( 61 )

(4/5)


يؤكد على الطابع العلمي لهذه السنة وان يخلق في الانسان المسلم شعورا على جريان احداث التاريخ متصبرا لا عشوائيا ولا مستسلما ولا ساذجا .
ولن تجد لسنة الله تبديلا .. (1) ، ولا تجد لسنتنا تحويلا .. (2) ، ولا مبدل لكلمات الله ... (3) هذه النصوص القرآنية تقدم استعراضا تؤكد فيه طابع الاستمرارية والاضطارد أي طابع الموضوعية والعلمية للسنة التاريخية ، وتستنكر هذه النصوص الشريفة كما تقدم في بعضها ان يكون هناك تفكير او طمع لدى جماعة من الجماعات بأن تكون مستثناة من سنة التاريخ أم حسبتم ان تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين من قبلكم مستهم البأساء والضراء وزلزلوا حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر الله ألا ان نصر الله قريب (4) هذه الآية تستنكر على من يطمع في أن يكون حالة استثنائية من سنة التاريخ كما شرحنا في ما مضى . اذن الروح العامة للقرآن تؤكد على هذه الحقيقة الاولى وهي حقيقة
____________
(1) سورة الاحزاب : الآية (62) .
(2) سورة الاسراء : الآية (77) .
(3) سورة الانعام : الآية (34) .
(4) سورة البقرة : الآية (214) .
---
( 62 )
الاضطراد في السنة التاريخية الذي يعطيها الطابع العلمي من اجل تربية الانسان على ذهنية واعية علمية يتصرف في اطارها ومن خلالها مع احداث التاريخ .
الحقيقة الثانية :

(4/6)


الحقيقة الثانية التي اكدت عليها النصوص القرآنية هي ربانية السنة التاريخية ، ان السنة التاريخية ربانية مرتبطة بالله سبحانه وتعالى ، سنة الله ، كلمات الله على اختلاف التعبير ، بمعنى ان كل قانون من قوانين التاريخ ، هو كلمة من الله سبحانه وتعالى ، وهو قرار رباني ، هذا التأكيد من القرآن الكريم على ربانية السنة التاريخية وعلى طابعها الغيبي يستهدف شد انسان حتى حينما يريد ان يستفيد من القوانين الموضوعية للكون شده بالله سبحانه وتعالى ، واشعار الانسان بان الاستعانة بالنظام الكامل لمختلف الساحات الكونية والاستفادة من مختلف القوانين والسنن التي تتحكم في هذه الساحات ، ليس ذلك انعزالا عن الله سبحانه وتعالى لان الله يمارس قدرته من خلال هذه السنن ، ولان هذه السنن والقوانين هي ارادة الله وهي ممثلة لحكمة الله وتدبيره في الكون وقد يتوهم البعض ان هذا الطابع الغيبي الذي يلبسه القرآن
---
( 63 )

(4/7)


الكريم للتارخ وللسنن التاريخية يبعد القرآن عن التفسير العلمي الموضوعي للتاريخ ويجعله يتجه اتجاه التفسير الالهي للتاريخ الذي مثلته مدرسة من مدارس الفكر اللاهوتي على يد عدد كبير من المفكرين المسيحيين واللاهوتيين حيث فسروا تفسيرا الهيا قد يخلط هذا الاتجاه القرآني بذلك التفسير الالهي الذي اتجه اليه أغسطين وغيره من المفكرين اللاهوتيين فيقال بأن اسباغ هذا الطابع الغيبي على السنة التاريخية يحول المسألة الى مسألة غيبية وعقائدية ويخرج التاريخ عن اطاره العلمي الموضوعي ولكن الحقيقة ان هناك خلطا اساسيا بين الاتجاه القرآني وطريقة القرآن في ربط التاريخ بعالم الغيب وفي اسباغ الطابع الغيبي على السنة التاريخية وبين ما يسمى بالتفسير الالهي للتاريخ الذي تبناه اللاهوت ، هناك فرق كثير بين هذين الاتجاهين وهاتين النزعتين وحاصل هذا الفرق هو ان الاتجاه اللاهوتي للتفسير الالهي للتاريخ يتناول الحادثة نفسها ويربط هذه الحادثة بالله سبحانه وتعالى قاطعا صلتها وروابطها مع بقية الحوادث فهو يطرح الصلة مع الله بديلا عن صلة الحادثة مع بقية الحوادث ، بديلا عن العلاقات والارتباطات التي تزخر بها الساحة
---
( 64 )

(4/8)


التاريخية والتي تمثل السنن والقوانين الموضوعية لهذه الساحة بينما القرآن الكريم لا يسبغ الطابع الغيبي على الحادثة بالذات ولا ينتزع الحادثة التاريخية من سياقها ليربطها مباشرة بالسماء ، ولا يطرح صلة الحادثة بالسماء كبديل عن أوجه الانطباق والعلاقات والاسباب والمسببات على هذه الساحة التاريخية بل أنه يربط السنة التاريخية بالله ، يربط أوجه العلاقات والارتباطات بالله ، فهو يقرر اولا ويؤمن بوجود روابط وعلاقات بين الحوادث التاريخية ، الا ان هذه الروابط والعلاقات بين الحوادث التاريخية هي في الحقيقة تعبير عن حكمة الله سبحانه وتعالى وحسن تقديره وبناءه التكويني للساحة التاريخية اذا أردنا ان نستعين بمثال لتوضيح الفرق بين هذين الإتجاهين من الظواهر الطبيعية . نستطيع ان نستخدم هذا المثال : قد يأتي انسان فيفسر ظاهرة المطر التي هي ظاهرة طبيعية فيقول بان المطر نزل بارادة من الله سبحانه وتعالى ، ويجعل هذه الارادة بديلا عن الاسباب الطبيعية التي نجم عنها نزول المطر ، وكأن المطر حادثة لا علاقة لها ولا تنسب لها ، وانما هي مفردة ترتبط مباشرة بالله سبحانه وتعالى بمعزل عن تيار الحوادث ، هذا النوع من الكلام يتعارض مع التفسير العلمي لظاهرة المطر .
---
( 65 )

(4/9)


لكن اذا جاء شخص وقال بان الظاهرة ، ظاهرة المطر لها اسبابها وعلاقاتها وانها مرتبطة بالدورة الطبيعية للماء مثلا ، يتبخر فيتحول الى غاز والغاز يتصاعد سحابا والسحاب يتحول بالتدريج الى سائل نتيجة انخفاض الحرارة فينزل المطر الا ان هذا التسلسل السببي المتقن ، هذه العلاقات المتشابكة بين الظواهر الطبيعية هي تعبير عن حكمة الله وتدبيره وحسن رعايته فمثل هذا الكلام لا يتعارض مع الطابع العلمي للتفسير الموضوعي لظاهرة المطر لاننا ربطنا هنا السنة بالله سبحانه وتعالى للحادثة مع عزلها عن بقية الحوادث وقطع ارتباطها مع مؤثراتها وأسبابها . اذن القرآن الكريم حينما يسبغ الطابع الرباني على السنة التاريخية لا يريد ان يتجه اتجاه التفسير الالهي في التاريخ ولكنه يريد ان يؤكد ان هذه السنن ليست خارجة من وراء قدرة الله سبحانه وتعالى وانما هي تعبير وتجسيد وتحقيق لقدرة الله ، هي كلماته وسننه وارادته وحكمته في الكون لكي يبقى الانسان دائما مشدودا الى الله لكي تبقى الصلة الوثيقة بين العلم والايمان فهو في نفس الوقت الذي ينظر فيه الى هذه السنن نظرة علمية ينظر ايضا اليها نظرة ايمانية ، وقد بلغ القرآن الكريم في حرصه على تأكيد الطابع الموضوعي للسنن التاريخية
---
( 66 )

(4/10)


وعدم جعلها مرتبطة بالصدف ، ان نفس العمليات الغيبية أناطها في كثير من الحالات بالسنة التاريخية نفسها أيضا ، عملية الامداد الالهي بالنص ، الامداد الالهي الغيبي الذي يساهم في كسب النص . هذا الامداد جعله القرآن الكريم مشروطا بالسنة التاريخية ، مرتبطا بظروفها غير منفك عنها وهذه الروح ابعد ما تكون عن ان تكون روحا تفسر التاريخ على أساس الغيب وانما هي روح تفسر التاريخ على أساس المنطق والعقل والعلم وحتى ذاك الامداد الالهي الذي يساهم بالنص ذاك الامداد أيضا ربط بالنسنة التاريخية . قرأنا في ما سبق صيغة من صيغ السنن التاريخية للنص حينما قرأنا قوله سبحانه وتعالى ... أم حسبتم ان تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا ... والان تعالوا نتحدث عن الامداد الغيبي لنلاحظ كيف ان هذه الآيات ربطت هذا الامداد الالهي الغيبي بتلك السنة نفسها أيضا : اذ تستغيثون ربكم فاستجاب لكم اني ممدكم بألف من الملائكة مردفين . وما جعله الله الا بشرى ولتطمئن به قلوبكم وما النصر الا من عند الله ان الله عزيز حكيم (1) . اذن فمن الواضح ان الطابع الرباني الذي يسبقه القرآن الكريم ليس بديلا عن التفسير
____________
(1) سورة الأنفال الآية (9ـ10) .
---
( 67 )
الموضوعي وانما هو ربط هذا التفسير الموضوعي بالله سبحانه وتعالى من اجل اتمام اتجاه الاسلام نحو التوحيد بين العلم والايمان في تربية الانسان المسلم .
الحقيقة الثالثة :
الحقيقة الثالثة التي اكد عليها القرآن الكريم من خلال النصوص المتقدمة هي حقيقة اختيار الانسان وإرادة الانسان والتأكيد على هذه الحقيقة في مجال استعراض سنن التاريخ مهم جدا اذ سوف يأتي انشاء الله تعالى بعد محاضرتين .

(4/11)


ان البحث في سنن التاريخ خلق وهما ، وحاصل هذا الوهم الذي خلقه هذا البحث عند كثير من المفكرين أن هناك تعارضا وتناقضا بين حرية الانسان واختياره وبين سنن التاريخ ، فاما ان نقول بان للتاريخ سننه وقوانينه وبهذا نتنازل عن ارادة الانسان واختياره وحريته ، واما ان نسلم بان الانسان كائن حر مريد مختار وبهذا يجب ان نلغي سنن التاريخ وقوانينه ونقول بان هذه الساحة قد أعفيت من القوانين التي لم تعفى منها بقية الساحات الكونية . هذا الوهم وهم التعارض والتناقض بين فكرة السنة التاريخية أو القانون الترايخي وبين فكرة اختيار الانسان وحريته . هذا
---
( 68 )
الوهم كان من الضروري للقرآن الكريم ان يزيحه وهو يعالج هذه النقطة بالذات ومن هنا اكد سبحانه وتعالى على أن المحور في تسلسل الاعداد والقضايا انما هو ارادة الانسان ، وسوف أتناول انشاء الله تعالى بعد محاضرتين الطريقة الفنية في كيفية التوجيه بين سنن التاريخ وارادة الانسان ، وكيف استطاع القرآن الكريم أن يجمع بين هذين الامرين من خلال فحص للصيغ التي يمكن في اطارها صياغة السنة التاريخية ، سوف اتكلم عن ذلك بعد محاضرتين لكن يكفي الان ان نستمع الى قوله تعالى ان الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم (1) وألو استقاموا على الطريقة لاسقيناهم ماءا غدقا (2) ... وتلك القرى اهلكناهم لما ظلموا انفسهم وجعلنا لمهلكهم موعدا (3) انظروا كيف أن السنن التاريخية لا تجري من فوق يد الانسان بل تجري من تحت يده ، فان الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم وألو استقاموا على الطريقة لاسقيناهم ماءا غدقا اذن هناك مواقف ايجابية للانسان تمثل حريته واختياره وتصميمه وهذه المواقف تستتبع ضمن
____________
(1) سورة الرعد : الآية (11) .
(2) سورة الجن : الآية (16) .
(3) سورة الكهف : الآية (59) .
---
( 69 )

(4/12)


علاقات السنن التاريخية ، تستتبع جزاءاتها المناسبة ، تستتبع معلولاتها المناسبة ، اذن فاختيار الانسان له موضعه الرئيسي في التصور القرآني لسنن التاريخ وسوف أعود الى هذه النقطة مرة أخرى بإذن الله تعالى اذن نستخلص مما سبق ان السنن التاريخية ، ان السنن القرآنية في التاريخ ذات طابع علمي لانها تتميز بالاطراد الذي يميز القانوني العلمي ، وذات طابع رباني لانها تمثل حكمة الله وحسن تدبيره على الساحة التاريخية وذات طابع انساني لانها لا تفصل الانسان عن دوره الايجابي ولا تعطل فيه ارادته وحريته واختياره وانما تؤكد اكثر فاكثر مسؤوليته على الساحة التاريخية . الان بعد استعرضنا الخصائص الثلاث التي تتميز بها السنن التاريخية في القرآن الكريم نواجه هذا السؤال : ما هو ميدان هذه السنن التاريخية ؟ كنا حتى الان نعبر ونقول بان هذه السنن تجري على الساحة التاريخية ، لكن ، هل أن الساحة التاريخية بامتدادها هي ميدان لسنن التاريخية أو ان ميدان السنن التاريخية يمثل جزأ من الساحة التاريخية بمعنى ان الميدان الذي يخضع للسنن التاريخية بوصفها قوانين ذات طابع نوعي مختلف عن القوانين الاخرى الفيزيائية
---
( 70 )

(4/13)


والفسلجية والبيولوجية والفلكية . هذا الميدان الذي يخضع لقوانين ذات طابع نوعي مختلف ، هذا الميدان هل تتسع له الساحة التاريخية ، هل يستوعب كل الساحة التاريخية ، أو يعبر عن جزء من الساحة التاريخية ؟ لكن قبل هذا يجب أن نعرف ماذا نقصد بالساحة التاريخية الساحة التاريخية عبارة عن الساحة التي تحوي تلك الحوادث والقضايا التي يهتم بها المؤرخون ، المؤرخون أصحاب التواريخ بمجموعة من الحوادث والقضايا يسجلونها في كتبهم والساحة التي تزخر بتلك الحوادث التي يهتم بها المؤرخون ويسجلونها هي الساحة التاريخية فالسؤال هنا اذن هكذا ، هل ان كل هذه الحوادث والقضايا التي يربطها المؤرخون وتدخل في نطاق مهمتهم التاريخية والتسجيلية هل كلها محكومة بالسنن التاريخية ، بسنن التاريخ ذات الطابع النوعي المتميز عن سنن بقية حدود الكون والطبيعة ، أو أن جزءاً معينا من هذه الحوادث والقضايا هو الذي تحكمه سنن التاريخ ؟ الصحيح ان جزءاً معينا من هذه الحوادث والقضايا هو الذي تحكمه سنن التاريخ ، هناك حوادث لا تنطبق عليها سنن التاريخ بل تنطبق عليها القوانين الفيزيائية او الفسلجية أو قوانين الحياة او أي قوانين اخرى لمختلف الساحات الكونية الاخرى مثلا : موت ابي طالب ، موت خديجة في سنة معينة حادثة تاريخية مهمة
---
( 71 )

(4/14)


تدخل في نطاق ضبط المؤرخين واكثر من هذا هي حادثة ذات بعد في التاريخ ترتبت عليها آثار كثيرة ولكنها لا يحكمها سنة تاريخية بل تحكمها قوانين فسلجية ، تحكمها قوانين الحياة التي فرضت ان يموت ابو طالب ( صلوات الله عليه ) وان تموت خديجة ( ع ) في ذلك الوقت المحدد ، هذه الحادثة تدخل في نطاق صلاحيات المؤرخين ولكن الذي يتحكم في هذه الحادثة هي قوانين فسلجة جسم أبي طالب وجسم خديجة ، قوانين الحياة التي تفرض المرض والشيخوخة ضمن شروط معينة وظروف معينة ، حياة عثمان بن عفان الخليفة الثالث ، طول عمره حادثة تاريخية فقد ناهز الثمانين ، طبعا هذه الحادثة التاريخية كان لها أثر عظيم في تاريخ الاسلام ، لو قدر لهذا الخليفة أن يموت موتا طبيعيا وفقا لقوانينه الفسلجية قبل يوم الثورة كان من الممكن ان تتغير كثير من معالم التاريخ ، كان من المحتمل ان يأتي الامام أمير المؤمنين الى الخلافة بدون تناقضات وبدون ضجيج وبدون خلاف لكن قوانين فسلجة جسم عثمان بن عفان اقتضت ان يمتد به العمر الى ان يقتل من قبل الثائرين عليه من المسلمين هذه حادثة تاريخية تعني انها تدخل في اهتمامات المؤرخين ولها بعد تاريخي ايضا ولعبت
---
( 72 )
دورا سلبا أو ايجابا في تكييف الاحداث التاريخية الاخرى ، ولكنها لا تتحكم فيها سنن التاريخ . ان الذي يتحكم في ذلك قوانين بنية جسم عثمان ، قوانين الحياة وقوانين جسم الانسان التي اعطت لعثمان بن عفان عمر ناهز الثمانين ، مواقف عثمان بن عفان وتصرفاته الاجتماعية تدخل في نطاق سنن التاريخ ، لكن طول عمر عثمان بن عفان لمسألة اخرى ، مسألة حياتية أو مسألة فسلجية أو مسألة فيزيائية وليست مسألة تتحكم فيها سنن التاريخ . اذن سنن التاريخ لا تتحكم على كل الساحة التاريخية ، لا تتحكم على كل القضايا التي يدرجها الطبري في تاريخه بل على ميدان معين من هذه الساحات يأتي ذكره انشاء الله .
---
( 73 )
الدرس السادس :

(4/15)


قلنا ان الساحة التاريخية ساحة اهتمامات المؤرخين لا يستوعبها كل التاريخ لان هذه الساحة تشتمل على ظواهر كونية وطبيعية ، فيزيائية وحياتية وفسلجية ايضا . هذه الظواهر تحكمها قوانينها النوعية على الرغم من ان بعض هذه الظواهر ذات اهمية بالمنظار التاريخي . من منظار المؤرخين تعتبر هذه حوادث ذات اهمية لها بعد زمني في امتداد وتيار الحوادث التاريخية ولكنها مع هذا لا تحكمها سنن التاريخ بل تحكمها سننها الخاصة . سنن التاريخ تحكم ميدانا معينا من الساحة التاريخية ، هذا الميدان يشتمل على ظواهر متميزة تميزا نوعيا عن سائر الظواهر الكونية والطبيعية وباعتبار هذا التميز النوعي استحقت سننا متميزة ايضا تميزا نوعيا عن سنن بقية الساحات الكونية . المميز العام للظواهر التي تدخل في نطاق سنن التاريخ هو ان هذه الظواهر تحمل علامة جديدة لم تكن موجودة في سائر الظواهر الاخرى الكونية
---
( 74 )

(4/16)


والطبيعية والبشرية . الظواهر الكونية والطبيعية كلها تحمل علاقة ظاهرة بسبب مسبب بسبب نتيجة بمقدمات ، هذه العلاقة موجدوة في كل الظواهر الكونية والطبيعية ، الغليان ظاهرة طبيعية مرتبطة بظروف معينة ، بدرجة حرارة معينة ، بدرجة معينة ممن قرب هذا الماء من النار . هذا الارتباط ارتباط المسبب بالسبب ، العلاقة هنا علاقة السببية ، علاقة الحاضر بالماضي ، بالظروف المسبقة المنجزة ، لكن هناك ظواهر على الساحة التاريخية تحمل علاقة من نمط آخر وهي علاقة ظاهرة بهدف علاقة نشاط بغاية او ما يسميه الفلاسفة بالعلة الغائية تميزا عن العلة الفاعلية ، هذه العلاقة علاقة جديدة متميزة ، غليان الماء بالحرارة ، يحمل مع سببه مع ماضيه لكن لا يحمل علاقة مع غاية ومع هدف مالم يتحول الى فعل انساني والى جهد بشري بينما العمل الانساني الهادف يحتوي على علاقة لا فقط مع السبب ، لا فقط مع الماضي ، بل مع الغاية التي هي غير موجودة حين انجاز هذا العمل وانما يترقب وجودها . أي العلاقة هنا علاقة مع المستقبل لا مع الماضي ، الغاية دائما تمثل المستقبل بالنسبة الى العمل ، بينما السبب يمثل الماضي بالنسبة الى هذا العمل . فالعلاقة التي يتميز بها العمل التاريخي ، العمل الذي
---
( 75 )

(4/17)


تحكمه سنن التاريخ هو انه عمل هادف ، عمل يرتبط بعلة غائية سواءا كانت هذه الغاية صالحة او طالحة ، نظيفة أو غير نظيفة ، على أي حال يعتبر هذا عملا هادفا ، يعتبر نشاطا تاريخيا يدخل في نطاق سنن التاريخ على هذا الاساس وهذه الغايات التي يرتبط بها هذا العمل الهادف المسؤول ، هذه الغايات حيث انها مستقبلية بالنسبة الى العمل فهي تؤثر من خلال وجودها الذهني في العامل لا محالة ، لانها بوجودها الخارجي ، بوجودها الواقعي ، طموح وتطلع الى المستقبل ، ليست موجودة وجودا حقيقيا وانما تؤثر من خلال وجودها الذهني في الفاعل . اذن المستقبل أو الهدف الذي يشكل الغاية للنشاط التاريخي يؤثر في تحريك هذا النشاط وفي بلورته من خلال الوجود الذهني أي من خلال الفكر الذي يمثل فيه الوجود الذهني للغاية ضمن شروط ومواصفات ، حينئذ يؤثر في ايجاد هذا النشاط ، اذ حصلنا الان على مميز نوعي للعمل التاريخي لظاهرة على الساحة التاريخية ، هذا المميز غير موجود بالنسبة الى سائر الظواهر الاخرى على ساحات الطبيعة المختلفة ، هذا المميز ظهور علاقة فعل بغاية نشاط بهدف في التفسير الفلسفي ، ظهور دور العلة الغائية ، كون هذا الفعل متطلعا الى المستقبل ، كون المستقبل
---
( 76 )

(4/18)


محركا لهذا الفعل من خلال الوجود الذهني الذي يرسم للفاعل غايته أي من خلال الفكر اذن هذا هو في الحقيقة دائرة السنن النوعية للتاريخ . السنن النوعية للتاريخ موضوعها ذلك الجزء من الساحة التاريخية الذي يمثل عملا له غاية ، عملا يحمل علاقة اضافية الى العلاقات الموجودة في الظاهرة الطبيعية وهي العلاقة بالغاية والهدف ، بالعلة الغائية ، لكن ينبغي هنا أيضا انه ليس كل عمل له غاية هو عمل تاريخي ، هو عمل تجري عليه سنن التاريخ بل يوجد بعد ثالث لا بد ان يتوفر لهذا العمل لكي يكون عملا تاريخيا أي عملا تحكمه سنن التايخ . البعد الاول كان هو السبب و البعد الثاني كان هو الغاية الهدف .
لا بد اذن من بعد ثالث لكي يكون هذا العمل داخلا في نطاق سنن التاريخ ، هذا البعد الثالث هو ان يكون لهذا العمل أرضية تتجاوز ذات العامل ، ان تكون ارضية العمل هي عبارة عن المجتمع ، العمل الذي يخلق موجا ، هذا الموج يتعدى الفاعل نفسه ويكون أرضيته الجماعة التي يكون هذا الفرد جزءا منها طبعا الامواج على اختلاف درجاتها هناك موج محدود ، هناك موج كبير . لكن العمل لا يكون عملا تاريخيا الا اذا كان له موج يتعدى حدود العامل الفردي ، قد يأكل الفرد اذا جاع ،
---
( 77 )

(4/19)


ويشرب اذا عطش ، وينام اذا أجس بحاجته الى النوم ، لكن هذه الاعمال على الرغم من انها اعمال هادفة أيضا تريدان تحقق غايات ولكنها اعمال لا يمتد موجها اكثر من العامل خلافا لعمل يقوم به الانسان من خلال نشاط اجتماعي وعلاقات متبادلة مع افراد جماعته ، فمثلا التاجر حينما يعمل عملا تجاريا أو القائد حينما يعمل عملا حربيا أو السياسي حينما يمارس عملا سياسيا ، المفكر حينما يتبنى وجهة نظر في الكون والحياة ، هذه الاعمال موج يتعدى شخص العامل ، يتخذ من المجتمع ارضية له ، ويمكننا ايضا ان نستعين بمصطلحات الفلاسفة فنقول : المجتمع يشكل علة مادية لهذا العمل ، يتبدل من مصطلحات الفلاسفة التمييز الارسطي بين العلة الفاعلية والعلة الغائية والعلة المادية ، هنا نستعين بهذه المصطلحات لتوضيح الفكرة . فنقول المجتمع يشكل علة مادية لهذا العمل ، أي ارضية العمل ، لحالة من هذا القبيل يعتبر هذا العمل عملا تاريخيا ويعتبر عملا للامة وللمجتمع وان كان الفاعل المباشر في جملة من الأحيان هو فرد واحد أو عدد من الافراد ولكن باعتبار الموج يعتبر المجتمع ، اذن العمل التاريخي الذي تحكمه سنن التاريخ هو العمل الذي يكون حاملا لعلاقة مع هدف وغاية ويكون في نفس الوقت ذا ارضية اوسع
---
( 78 )
من حدود الفرد ، ذا موج يتخذ من المجتمع علة مادية له وبهذا يكون عمل المجتمع .

(4/20)


وفي القرآن الكريم نجد تمييزا بين عمل الفرد وعمل المجتمع ونلاحظ في القرآن الكريم انه من خلال استعراضه للكتب الغيبية الاحصائية تحدث القرآن عن كتاب للفرد وتحدث عن كتاب للامة ، عن كتاب يحصي على الفرد عمله وعن كتاب يحصي على الامة عملها وهذا تمييز دقيق بين العمل الفردي الذي ينسب الى الفرد وبين عمل الامة ، بين العمل الذي له ثلاثة ابعاد والعمل الذي له بعدان ، العمل الذي له بعدان لا يدخل الا في كتاب الفرد واما العمل الذي له ثلاثة ابعاد فهو يدخل في الكتابين . يدخل في كتاب الامة ويعرض على الامة وتحاسب الامة على أساسه . لاحظوا قوله تعالى وترى كل أمة جاثية كل أمة تدعى الى كتابها اليوم تجزون ما كنتم تعملون . هذا كتابنا ينطق عليكم بالحق انا كنا نستنسخ ما كنتم تعملون (1) .
هنا القرآن الكريم يتحدث عن كتاب للامة ، أمة جاثية بين يدي ربها ويقدم لها كتابها ، يقدم لها سجل نشاطها وحياتها التي مارستها كأمة ، هذا العمل الهادف
____________
(1) سورة الجاثية : الآية (28 ـ 29) .
---
( 79 )

(4/21)


ذو الابعاد الثلاثة يحتوي هذا الكتاب ، وهذا الكتاب ـ انتبهوا الى العبارة ـ يقول انا كنا نستنسخ ما كنتم تعملون هذا الكتاب ليس تاريخ الطبري لا يسجل الوقائع الطبيعية ، الفسلجية ، الفيزيائية ، انما يمدد ويستنسخ ما كانوا يعملون كأمة . ما كانت الامة تعمله كأمة يعني العمل الهادف ذو الموج بحيث يكون العمل منسوبا للأمة وتكون الامة مدعوة الى كتابها . هذا العمل هو الذي يحويه هذا الكتاب ، بينما في آية اخرى نلاحظ قوله سبحانه وتعالى وكل انسان الزمناه طائره في عنقه ونخرج له يوم القيامة كتابا يلقاه منشورا ، اقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا (1) هنا الموقف يختلف ، هنا كل انسان مرهون بكتابه ، لكل انسان كتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة من اعماله من حسناته وسيئاته وهفواته وسقطاته من صعوده ونزوله الا وهو محصي في ذلك الكتاب . والكتاب الذي كتب بعلم من لا يغرب عن علمه مثقال ذرة في الارض . كل انسان قد يفكر ان بامكانه ان يخفي نقطة ضعف ، ان يخفي ذنبا ، سيئة عن جيرانه وقومه وامته ، واولاده ، وحتى عن نفسه ، يخدع نفسه يرى انه لم يركب سيئة ولكن هذا الكتاب الحق
____________
(1) سورة الاسراء : الآية (13) .

(4/22)


لا يغادر صغيرة ولا كبيرة الا أحصاها ، في ذلك اليوم يقال انت حاسب نفسك لان هذه الاعمال التي مارستها سوف تواجهها في هذا الكتاب ان تحكم على نفسك بموازين الحق في يوم القيامة في ذلك اليوم لا يمكن لاي انسان ان يخفي شيئا عن الموقف ، عن الله سبحانه وتعالى ، وعن نفسه .
هذا كتاب الفرد وذاك كتاب الامة . هناك كتاب لامة جاثية بين يدي ربها ، وهنا لكل فرد كتاب . هذا التمييز النوعي القرآني بين كتاب الامة وكتاب الفرد تعبير آخر عما قلناه من ان العمل التاريخي هو ذاك العمل الذي يتمثل في كتاب الامة ، العمل الذي له ابعاد ثلاثة بل ان الذي يستظهر ويلاحظ من عدد آخر من الآيات القرآنية الكريمة انه ليس فقط يوجد كتاب للفرد ويوجد كتاب للامة بل يوجد احضار للفرد ويوجد احضار للامة ، هنا احضارات بين يدي الله سبحانه وتعالى الاحضار الفردي يأتي بكل انسان فردا فردا ، لا يملك ناصرا ولا معينا ، لا يملك شيئاً يستعين به في ذلك الموقف الا العمل الصالح والقلب السليم والايمان بالله وملائكته وكتبه ورسله ، هذا هو الاحضار الفردي . قال الله تعالى ان كل من في السموات والارض الا آت الرحمن عبدا ، لقد احصاهم وعدهم عدا وكلهم آتيه
---
( 81 )

(5/1)


يوم القيامة فردا (1) هذا الاحضار هو احضار فردي بين يدي الله تعالى وهناك احضار آخر ، احضار للفرد في وسط الجماعة ، احضار للامة بين يدي الله سبحانه وتعالى كما يوجد هناك سجلان كذلك يوجد احضاران كما تقدم ، ترى كل امة جاثية تدعى الى كتابها ، ذاك احضار للجماعة ، والمستأنس به من سياق الآيات الكريمة انه هذا الاحضار الثاني يكون من اجل اعادة العلاقات الى نصابها الحق ، العلاقات داخل الامة قد تكون غير قائمة على اساس الحق ، فقد يكون الانسان المستضعف فيها جديرا بأن يكون في اعلى الامة ، هذه الامة تعاد فيها العلاقات الى نصابها الحق . هذا اليوم هو اليوم الذي سماه القرآن الكريم بيوم التغابن ، كيف يحصل التغابن ؟.. يحصل التغابن عن طريق اجتماع المجموعة ثم كل انسان كان مغبونا في موقعه في الامة ، في وجوده في الامة ، بقدر ما كان مغبونا في موقعه في الامة يأخذ حقه ، يأخذ حقه يوم لا كلمة الا للحق .
لاحظوا قوله تعالى يوم يجمعكم ليوم الجمع ذلك يوم التغابن (1) . اذن فهناك سجلان هناك سجل لعمل الفرد ، وهناك سجل لعمل الامة وعمل الامة هو عبارة عما قلناه في العمل الذي يكون له ثلاث ابعاد ، بعد من
____________
(1) سورة التغابن : الآية (9) .
---
( 82 )

(5/2)


ناحية العامل ما يسميه ارسطو بـ العلة الفاعلية ، وبعد من ناحية الهدف ما يسميه ارسطوا بـ العلة الغائية ، وبعد من ناحية الارضية وامتداد الموج ما يسمونه بـ العلة المادية . هذا العمل ذو الابعاد الثلاثة هو موضوع سنن التاريخ ، هذا هو عمل المجتمع ، لكن لا ينبغي ان يوهم ذلك ما توهمه عدد من المفكرين والفلاسفة الاوربيين من ان المجتمع كائن عملاق له وجود وحدوي عضوي متميز عن سائر الافراد وكل فرد ليس الا بمثابة الخلية في هذا العملاق الكبير ، هكذا تصور هيجل مثلا وجملة من الفلاسفة الاوروبيين ، تصورا عمل المجتمع بهذا النحو ، أرادوا أن يميزوا بين عمل المجتمع وعمل الفرد فقال بأنه يوجد عندنا كائن عضوي واحد عملاق هذا الكائن الواحد هو في الحقيقة يلف في احشاءه وتندمج في كيانه كل الافراد . لكل فرد يشكل خلية في هذا العملاق الواحد وهو يتخذ من كل فرد نافذة على الواقع على العالم بقدر ما يمكن ان يجسد في هذا الفرد من قابلياته هو ومن ابداعه هو ، اذن كل قابلية وكل ابداع ، وكل فكر هو تعبير عن نافذة من النوافذ التي يعبر عنها ذلك العملاق الهيجلي ، هذا التصور اعتقد به جملة من الفلاسفة الاوربيين تمييزا لعمل المجتمع عن عمل الفرد
---
( 83 )

(5/3)


الا ان هذا التصور ليس صحيحا ، ولسنا بحاجة اليه والى الاغراق في الخيال الى هذه الدرجة لكي ننحت هذا العملاق الاسطوري من هؤلاء الافراد ، ليس عندنا الا الافراد زيد وبكر وخالد ، ليس عندنا ذلك العملاق المستتر من ورائهم ، طبعاً مناقشة هيجل من الزاوية الفلسفية يخرج من حدود هذا البحث ومتروك الى بحث آخر لان هذا التفسير الهيجلي للمجتمع مرتبط بحسب الحقيقة بكامل الهيكل النظري لفلسفته الا ان الشيء الذي نريد أن نعرفه موقع اقدامنا من هذا التصور ، هذا التصور ليس صحيحا ، نحن لسنا بحاجة الى مثل هذا الافتراض الاسطوري لكي نميز بين عمل الفرد وعمل المجتمع ، لان التمييز بين عمل الفرد وعمل المجتمع يتم من خلال ما اوضحناه من البعد الثالث . عمل الفرد هو العمل الذي يكون له بعدان فان اكتسب بعدا ثالثا كان عمل المجتمع ، باعتبار ان المجتمع يشكل أرضية له ، يشكل علة مادية له . يدخل حينئذ في سجل كتاب الامة الجاثية بين يدي ربها هذا هو ميزان الفرق بين العملين .
اذن الشيء الذي نستخلصه مما تقدم ان موضوع السنن التاريخية هو العمل الهادف الذي يشكل أرضية ويتخذ من المجتمع او الامة أرضية له على اختلاف سعة الموجة وضيق الموجة هذا هو موضع السنن التاريخية .
---
( 84 )
الدرس السابع :
آن الاوان لكي نتعرف على الصيغ المتنوعة التي تتخذها السنة التاريخية القرآنية .
كيف يتم التعبير موضوعيا عن القانون التاريخي في القرآن الكريم ؟
ما هي الاشكال التي تتخذها سنن التاريخ في مفهوم القرآن الكريم ؟
هناك ثلاثة أشكال تتخذها السنة التاريخية في القرآن الكريم ، لا بد من استعراضها ومقارنتها والتدقيق في أوجه الفرق بينها .
الشكل الاول للسنة التاريخية هو شكل القضية الشرطية ، في هذا الشكل تتمثل السنة التاريخية في قضية شرطية تربط بين حادثتين أو مجموعتين من الحوادث على الساحة التاريخية وتؤكد العلاقة الموضوعية بين الشرط والجزاء ، وانه متى ما تحقق

(5/4)


---
( 85 )
الشرط تحقق الجزاء وهذه صياغة نجدها في كثير من القوانين والسنن الطبيعية والكونية في مختلف الساحات الاخرى .
فمثلا : حينما نتحدث عن قانون طبيعي لغليان الماء ، نتحدث بلغة القضية الشرطية ، نقول بأن الماء اذا تعرض الى الحرارة وبلغت الحرارة درجة معينة مائة مثلا في مستوى معين من الضغط ، حينئذ سوف يحدث الغليان هذا قانون طبيعي يربط بين الشرط والجزاء ويؤكد ان حالة التعرض الى الحرارة ، ضمن مواصفات معينة تذكر في طرف الشرط تستتبع حادثة طبيعية معينة ، وهي غليان هذا الماء تحول هذا الماء من سائل الى غاز هذا القانون مصاغ على نهج القضية الشرطية ومن الواضح ان هذا القانون الطبيعي لا ينبئنا شيئاً عن تحقق الشرط وعدم تحققه ، لا ينبئنا هذا القانون الطبيعي عن ان الماء سوف يتعرض للحرارة او لا يتعرض للحرارة هل ان درجة حرارة الماء ترتفع الى الدرجة المطلوبة ضمن هذا القانون او لا ترتفع ؟ هذا القانون لا يتعرض الى مدى وجود الشرط وعدم وجوده ، ولا ينبئنا بشيء عن تحقق الشرط ايجابا او سلبا ، وانما ينبئنا عن ان الجزاء لا ينفك عن الشرط ، فمتى ما وجد الشرط وجد الجزاء ، فالغليان نتيجة مرتبطة
---
( 86 )

(5/5)


موضوعيا بالشرط هذا هو تمام ما ينبئنا عنه هذا القانون المصاغ بلغة القضية الشرطية ، ومثل هذه القوانين تقدم خدمة كبيرة للانسان في حياته الاعتيادية وتلعب دورا عظيما في توجيه الانسان ، لان الانسان ضمن تعرفه على هذه القوانين يصبح بامكانه ان يتصرف بالنسبة الى الجزاء ففي كل حالة يرى انه بحاجة الى الجزاء يعمل هذا القانون ليوفر شروط هذا القانون ، ففي كل حالة يكون الجزاء متعارضا مع مصالحه ومشاعره يحاول الحيلولة دون توفر شروط هذا القانون . متى ما كان غليان الماء مقصودا للانسان يطبق شروط هذا القانون ومتى لم يكن مقصودا للانسان يحاول ان لا تتطبق شروط هذا القانون . اذن القانون الموضوعي بنهج القضية الشرطية موجه عملي للانسان في حياته ومن هنا تتجلى حكمة الله سبحانه وتعالى في صياغة نظام الكون على مستوى القوانين وعلى مستوى الروابط المضطردة والسنن الثابتة لان صياغة الكون ضمن روابط مضطردة وعلاقات ثابتة هو الذي يجعل الانسان يتعرف على موضع قدميه وعلى الوسائل التي يجب ان يسلكها في سبيل تكييف بيئته وحياته والوصول الى اشباع حاجته لو ان الغليان في الماء كان يحدث صدفة ومن دون رابطة قانونية مضطردة مع حادثة اخرى
---
( 87 )

(5/6)


كالحرارة ، اذن لما استطاع الانسان ان يتحكم في هذه الظاهرة ، ان يخلق هذه الظاهرة متى ما كانت حياته بحاجة اليها وان يتفاداها متى ما كانت حياته بحاجة الى تفاديها ، انما كان له هذه القدرة باعتبار ان هذه الظاهرة وضعت في موضع ثابت من سنن الكون وطرح على الانسان القانون الطبيعي من لغة القضية الشرطية فأصبح ينظر في نور لا في ظلام ويستطيع في ضوء هذا القانون الطبيعي ان يتصرف ، نفس الشيء نجده في الشكل الاول من السنن التاريخية القرآنية فان عددا كبيرا من السنن التاريخية في القرآن قد نمت صياغته على شكل القضية الشرطية التي تربط ما بين حادثتين اجتماعيتين او تاريخيتين فهي لا تتحدث عن الحادثة الاولى انها متى توجد ، ومتى لا توجد لكن تتحدث عن الحادثة الثانية بأنه متى ما وجدت الحادثة الاولى ، وجدت الحادثة الثانية .
قرأنا في ما سبق استعراضا للآيات الكريمة التي تدل على سنن التاريخ في القرآن جملة من تلك الآيات الكريمة مفادها هو السنة التاريخية بلغة القضية الشرطية ، تتذكرون ما قرأناه سابقا ان الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم (1) . هذه السنة
____________
(1) سورة الرعد : الآية (11) .
---
( 88 )
التاريخية للقرآن والتي تقدم الكلام عنها ويأتي انشاء الله الحديث عن شرح محتواها ، هذه السنة التاريخية للقرآن بينت بلغة القضية الشرطية لان مرجع هذا المفاد القرآني الى ان هناك علاقة بين تغييرين ، بين تغيير المحتوى الداخلي للانسان وتغيير الوضع الظاهري للبشرية والانسانية ، مفاد هذه العلاقة قضية شرطية ، انه متى ما وجد ذاك التغيير في انفس القوم وجد هذا التغيير في بناء القوم وكيان القوم ، هذه القضية قضية شرطية بين القانون فيها بلغة القضية الشرطية . والو استقاموا على الطريقة لاسقيناهم ماءا غدقا (1) .

(5/7)


قلنا في ما سبق ان هذه الآية الكريمة تتحدث عن سنة من سنن التاريخ ، عن سنة تربط وفرة الانتاج بعدالة التوزيع هذه السنة ايضا هي بلغة القضية الشرطية كما هو الواضح من صياغتها النحوية ايضا . واذا أردنا ان نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها فحق عليها القول فدمرناها تدمير (2) ايضا سنة تاريخية بينت بلغة القضية الشرطية ربطت بين امرين ، بين تأمير الفساق والمترفين في المجتمع وبين دمار ذلك المجتمع وانحلاله ، هذا القانون التاريخي ايضا مبين على نهج القضية
____________
(1) سورة الجن : الآية (16) .
(2) سورة الاسراء : الآية (16) .
---
( 89 )
الشرطية ، فهو لا يبين انه متى وجد الشرط ، لكن يبين متى ما وجد هذا الشرط يوجد الجزاء ، هذا هو الشكل الاول من اشكال السنة التاريخية في القرآن .
الشكل الثاني الذي تتخذه السنن التاريخية شكل القضية الفعلية الناجزة الوجودية المحققة وهذا الشكل ايضا نجد له امثلة وشواهد في القوانين الطبيعية والكونية . مثلاً : العالم الفلكي حينما يصدر حكما علميا على ضوء قوانين مسارات الفلك بأن الشمس سوف تنكسف في اليوم الفلاني ، أو أن القمر سوف ينخسف في اليوم الفلاني هذا قانون علمي وقضية علمية ، الا أنها قضية وجودية ناجزة ، وليست قضية شرطية ، لا يملك الانسان اتجاه هذه القضية أن يغير من ظروفها وأن يعدل من شروطها ، لانها لم تبين كلغة قضية شرطية ، وانما بينت على مستوى القضية الفعلية الوجودية ، الشمس سوف تنكسف ، القمر سوف ينخسف ، هذه قضية فعلية تنظر الى الزمان الآتي وتخبر عن وقوع هذه الحادثة على أي حال ، وكذلك القرارات العلمية التي تصدر عن الانواء الجوية ، المطر ينهمر على المنطقة الفلانية ، هذا أيضا يعبر عن قضية فعلية وجودية لم تصغ بلغة القضية الشرطية وانما صيغت بلغة التنجيز والتحقيق بلحاظ زمان معين
---
( 90 )

(5/8)


ومكان معين ، هذا هو الشكل الثاني من السنن التاريخية وسوف اذكر فيما بعد انشاء الله عند تحليل عناصر المجتمع الى أمثلة هذا الشكل من القرآن الكريم .
هذا الشكل من السنن التاريخية هو الذي أوحى في الفكر الاوروبي بتوهم التعارض بين فكرة سنن التاريخ وفكرة اختيار الانسان وارادته ، نشأ هذا التوهم الخاطيء الذي يقول بأن فكرة سنن التاريخ لا يمكن أن تجتمع الى جانب فكرة اختيار الانسان لان سنن التاريخ هي التي تنظم مسار الانسان وحياة الانسان اذن ماذا يبقى لارادة الانسان ؟ هذا التوهم أدى الى أن بعض المفكرين يذهب الى ان الانسان له دور سلبي فقط حفاظا على سنن التاريخ وعلى موضوعية هذه السنن ، ضحى باختيار الانسان من أجل الحفاظ على سنن التاريخ فقال بأن الانسان دوره دور سلبي وليس دورا ايجابيا ، يتحرك كما تتحرك الالة وفقا لظروفها الموضوعية ، ولعله يأتي بعض التفصيل أيضا عن هذه الفكرة ، وذهب بعض آخر في مقام التوفيق ما بين هاتين الفكرتين ولو ظاهريا الى أن اختيار الانسان نفسه هو ايضا يخضع لسنن التاريخ ولقوانين التاريخ ، لا نضحي باختيار الانسان ، لكن نقول بان اختيار الانسان لنفسه حادثة تاريخية ايضا ، اذن هو بدوره
---
( 91 )

(5/9)


يخضع للسنن هذه تضحية باختيار الانسان لكن بصورة مبطنة ، بصورة غير مكشوفة ، وذهب بعض آخر الى التضحية بسنن التاريخ لحساب اختيار الانسان فذهب جملة من المفكرين الاوروبيين الى أنه ما دام الانسان مختارا فلابدّ من أن تستثنى الساحة التاريخية من الساحات الكونية في مقام التقنين الموضوعي ، لا بد وان يقال بأنه لا سنن موضوعية للساحة التاريخية حفاظا على ارادة الانسان وعلى اختيار الانسان وهذه المواقف كلها خاطئة لانها جميعا تقوم على ذلك الوهم الخاطئ ، وهم الاعتقاد بوجود تناقض أساسي بين مقولة السنة التاريخية ومقولة الاختيار ، وهذا التوهم نشأ من قصر النظر على الشكل الثاني من اشكال السنة التاريخية أي قصر النظر على السنة التاريخية المصاغة بلغة القضية الفعلية الوجودية الناجزة . لو كنا نقصر النظر على هذا الشكل من سنن التاريخ ولو كنا نقول بأن هذا الشكل هو الذي يستوعب كل الساحة التاريخية لا يبقي فراغا لذي فراغ لكان هذا التوهم واردا ، ولكنا يمكننا ابطال هذا التوهم عن طريق الالتفات الى الشكل الاول من اشكال السنة التاريخية الذي تصاغ فيه السنة التاريخية بوصفها قضية شرطية ، وكثيرا ما تكون هذه القضية الشرطية في شروطها معبرة عن ارادة الانسان واختيار
---
( 92 )
الانسان ، يعني ان اختيار الانسان يمثل محور القضية الشرطية شرط القضية الشرطية اذن فالقضية الشرطية كامثلة التي ذكرناها من القرآن الكريم تتحدث عن علاقة بين الشرط والجزاء ، لكن ما هو الشرط ؟

(5/10)


الشرط : هو فعل الانسان ، هو ارادة الانسان ان الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم (1) ، التغيير هنا أسند اليهم فهو فعلهم ، ابداعهم وارادتهم . اذن السنة التاريخية حينما تصاغ بلغة القضية الشرطية وحينما يمثل ابداع الانسان واختياره موضوع الشرط في هذه القضية الشرطية ، في مثل هذه الحالة تصبح هذه السنة متلائمة تماما مع اختيار الانسان بل أن السنة حينئذ تقضي اختيار الانسان ، تزيده اختيارا وقدرة وتمكنا من التصرف في موقفه ، كيف أن ذلك القانون الطبيعي للغليان كان يزيد من قدرة الانسان لانه يستطيع حينئذ ان يتحكم في الغليان بعد أن عرف شروطه وظروفه ، كذلك السنن التاريخية ذات الصيغ الشرطية ، هي في الحقيقة ليست على حساب ارادة الانسان وليست نقيضا لاختيار الانسان بل هي مؤكدة لاختيار الانسان وتوضح للانسان نتائج ، لكي يستطيع أن يقتبس ما يريده من هذه النتائج ، لكي
____________
(1) سورة الرعد : الآية (11) .
---
( 93 )
يستطيع ان يتعرف على الطريق الذي يسلك به الى هذه النتيجة او الى تلك النتيجة فيسير على ضوء وكتاب منير هذا هو الشكل الثاني للسنة التاريخية .

(5/11)


الشكل الثالث للسنة التاريخية وهو شكل اهتم به القرآن الكريم اهتماما كبيرا ، هو السنة التاريخية المصاغة على صورة اتجاه طبيعي في حركة التاريخ لا على صورة قانون صارم حدي وفرق بين الاتجاه والقانون ولكي تتضح الفكرة في ذلك لابد وان نطرح الفكرة الاعتيادية التي نعيشها في اذهاننا عن القانون ، القانون العلمي كما نتصوره عادة عبارة عن تلك السنة التي لا تقبل التحدي من قبل الانسان ، لانها قانون من قوانين الكون والطبيعة فلا يمكن للانسان ان يتحداها ، أن ينقضها ، أن يخرج عن طاعتها ، يمكنه ان لا يصلي لان وجوب الصلاة حكم تشريعي وليس قانونا تكوينيا ، يمكنه أن يشرب الخمر لان حرمة الخمر قانون تشريعي وليس قانونا تكوينيا ، لكنه لا يمكنه ان يتحدى القوانين الكونية والسنن الموضوعية ، مثلا لا يمكنه أن يجعل الماء لا يغلي اذا توفرت شروط الغليان ، لا يمكنه ان يتحدى الغليان وان يؤخر الغليان لحظة عن موعده المعين لان هذا قانون والقانون صارم والصرامة تأبى التحدي . هذه هي الفكرة التي نتصورها عادة عن
---
( 94 )

(5/12)


القوانين وهي فكرة صحيحة الى حد ما ، لكن ليس من الضروري ان تكون كل سنة طبيعية موضوعية على هذا الشكل بحيث تأبى التحدي ولا يمكن تحديها من قبل الانسان بهذه الطريقة بل هناك اتجاهات موضوعية في حركة التاريخ وفي مسار الانسان الا ان هذه الاتجاهات لها شيء من المرونة بحيث انها تقبل التحدي ولو على شوط قصير ، وان لم تقبل التحدي على شوط طويل ، لكن على الشوط القصير تقبل التحدي أنت لا تستطيع أن تؤخر موعد غليان الماء لحظة ، لكن تستطيع أن تجمد هذه الاتجاهات لحظات من عمر التاريخ لكن هذا لا يعني أنها ليست اتجاهات تمثل واقعا موضوعيا في حركة التاريخ ، هي اتجاهات ولكنها مرنة تقبل التحدي لكنها تحطم المتحدي تحطمه بسنن التاريخ نفسها ، ومن هنا كانت اتجاهات : هناك اشياء يمكن تحديها دون ان يتحطم المتحدي ، لكن هناك اشياء يمكن تتحدى على شوط قصير ولكن المتحدي يتحطم على سنن التاريخ نفسها ، هذه هي طبيعة الاتجاهات الموضوعية في حركة التاريخ . لكي أقرب الفكرة اليكم نستطيع أن نقول بأن هناك اتجاها في تركيب الانسان وفي تكوين الانسان اتجاها موضوعيا لا تشريعيا الى اقامة العلاقات المعينة بين
---
( 95 )

(5/13)


الذكر والانثى في مجتمع الانسان ضمن اطار من أطر النكاح والاتصال ، هذا الاتجاه ليس تشريعيا ليس تقنينا اعتباريا وانما هو اتجاه موضوعي اعملت العناية في سبيل تكوينه في مسار حركة الانسان ، لا نستطيع أن نقول أن هذا مجرد قانون تشريعي ، مجرد حكم شرعي ، لا وانما هذا اتجاه ركب في طبيعة الانسان وفي تركيب الانسان وهو الاتجاه الى الاتصال بين الذكر والانثى وادامة النوع عن طريق هذا الاتصال ضمن اطار من أطر النكاح الاجتماعي . هذه سنة لكنها سنة على مستوى الاتجاه ، لا على مستوى القانون .. لماذا ؟ لان التحدي لهذه السنة لحظة او لحظات ممكن ، أمكن لقوم لوط أن يتحدوا هذه السنة فترة من الزمن بينما لم يكن بامكانهم ان يتحدوا سنة الغليان بشكل من الاشكال ، الا ان تحدي هذه السنة يؤدي الى أن يتحطم الانسان ، المجتمع الذي يتحدى هذه السنة يكتب بنفسه فناء نفسه لانه يتحدى ذلك عن طريق الوان اخرى من الشذوذ تؤدي الى فناء المجتمع والى خراب المجتمع ومن هنا كان هذا اتجاها موضوعيا يقبل التحدي على شوط قصير ، لكن لا يقبل التحدي على شوط طويل لانه سوف يحطم المتحدي
---
( 96 )

(5/14)


بنفسه . الاتجاه الى توزيع الميادين بين المرأة والرجل هذا الاتجاه اتجاه موضوعي وليس اتجاها ناشئا من قرار تشريعي ، اتجاه ركب في طبيعة الرجل والمرأة ، ولكن هذا الاتجاه يمكن ان يتحدى ، يمكن استصدار تشريع يفرض على الرجل بأن يبقى في البيت ليتولى دور الحضانة والتربية وان تخرج المرأة الى الخارج لكي تتولى مشاق العمل والجهد ، هذا بالامكان ان يتحقق عن طريق تشريع معين وبهذا يحصل التحدي لهذا الاتجاه لكن هذا التحدي سوف لن يستمر لان سنن التاريخ سوف تجيب على هذا التحدي لاننا بهذا سوف نخسر ونجمد كل تلك القابليات التي زودت بها المرأة من قبل هذا الاتجاه لممارسة دور الحضانة والامومة وسوف نخسر كل تلك القابليات التي زود بها الرجل من اجل ممارسة دور يتوقف على الجلد والصبر والثبات وطول النفس كما أن من قبيل ان تسلم بناية تسلم نجارياتها الى حداد وحدادياتها الى نجار يمكن ان تصنع هكذا ويمكن ان تنشأ البناية أيضا لكن هذه البناية سوف تنهار ، سوف لن يستمر هذا التحدي على شوط طويل سوف يتقطع في شوط قصير كل اتجاه من هذا القبيل هو في الحقيقة سنة موضوعية من سنن التاريخ ومن سنن حركة الانسان ولكنها سنة مرنة تقبل التحدي على الشوط القصير
---
( 97 )
ولكنها تجيب على هذا التحدي واهم مصداق يعرضه القرآن الكريم لهذا الشكل من السنن هو الدين ، القرآن الكريم يرى أن الدين نفسه سنة من سنن التاريخ ، سنة موضوعية من سنن التاريخ ليس الدين فقط تشريعا وانما هو سنة من سنن التاريخ ولهذا يعرض الدين على شكلين تارة يعرضه بوصفه تشريعا كما يقول علم الاصول ، بوصفه ارادة تشريعية مثلا يقول شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذي اوحينا اليك وما وصينا به ابراهيم وموسى وعيسى أن اقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه كبر على المشركين ما تدعوهم اليه (1) .

(5/15)


هنا يبين الدين كتشريع ، كقرار ، كأمر من الله سبحانه وتعالى لكن في مجال آخر يبينه سنة من سنن التاريخ وقانون داخل في صميم تركيب الانسان وفطرة الانسان قال سبحانه وتعالى فأقم وجهك للدين حنيفا فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم ولكن اكثر الناس لا يعلمون (2) .
هنا الدين لم يعد مجرد قرار وتشريع من أعلى وانما الدين هنا فطرة للناس ،
____________
(1) سورة الشورى : الآية (13) .
(2) سورة النون : الآية (30) .
---
( 98 )
فطرة الله التي فطر عليها الناس ولا تبديل لخلق الله . هذا الكلام كلام موضوعي خبري لا تشريعي انشائي ، لا تبديل لخلق الله ، وهكذا انك لا يمكنك ان تنتزع من الانسان أي جزء من اجزاءه التي تقومه ، كذلك لا يمكنك ان تنتزع من الانسان دينه ، الدين ليس مقولة حضارية مكتسبة على مر التاريخ يمكن اعطاؤها ويمكن الاستغناء عنها لانها في حالة من هذا القبيل لا تكون فطرة الله التي فطر الناس عليها ولا تكون خلق الله الذي لا تبديل له ، بل تكون من المكاسب التي حصل عليها الانسان من خلال تطوراته المدنية والحضارية على مر التاريخ . القرآن يريد ان يقول بأن الدين ليس مقولة من هذه المقولات بالامكان اخذها وبالامكان عطاؤها ، الدين خلق الله ، فطرة الله التي فطر الناس عليها ولا تبديل لخلق الله في هذا الكلام لا ليست ناهية بل نافية يعني هذا الدين لا يمكن أن ينفك عن خلق الله ما دام الانسان انسانا فالدين يعتبر سنة لهذا الانسان . هذه سنة ولكنها ليست سنة صارمة على مستوى الغليان ، سنة تقبل التحدي على الشوط القصير كما كان بامكان تحدي سنة النكاح اللقاء الطبيعي والتزواج الطبيعي ، كما كان بالامكان تحدي ذلك عن طريق الشذوذ الجنسي ، لكن على شوط قصير كذلك
---
( 99 )

(5/16)


يمكننا تحدي هذه السنة على شوط قصير عن طريق الالحاد وغمض العين عن هذه الحقيقة الكبرى بأمكان الانسان ان لا يرى الشمس ، أن يغمض عينه عن الشمس ويلحد ولا يرى هذه الحقيقة ولكن هذا التحدي لا يكون الا على شوط قصير لان العقاب سوف ينزل بالملحدين ، العقاب هنا ليس بمعنى العقاب الذي ينزل على من يرتكب مخالفة شرعية على يد ملائكة العذاب في السماء في يوم القيامة ليس هو ذاك العقاب الذي ينزل على من يخالف القانون على يد الشرطي ، يضربه بالعصا على رأسه ، وانما العقاب هنا ينزل من سنن التاريخ نفسها تفرض العقاب على كل أمة تريد أن تبدل خلق الله سبحانه وتعالى ، ولا تبديل لخلق الله ويستعجلونك بالعذاب ولن يخلف الله وعده وان يوما عند ربك كألف سنة مما تعدون (1) .
نحن نقول بأن السنن التاريخية من الشكل الثالث اذا تحداها الانسان فسوف يأخذ العقاب من السنن التاريخية ، سرعان ما ينزل عليه العقاب من السنن التاريخية نفسها كلمة سرعان هنا يجب أن تؤخذ بمعنى السرعة التاريخية لا السرعة التي نفهمها في حياتنا الاعتيادية وهذا ما أرادت أن تبينه هذه
____________
(1) سورة الحج : الآية (47) .
---
( 100 )

(5/17)


الآية في المقام تتحدث عن العذاب واقعه في سياق العذاب الجماعي الذي نزل بالقرى السابقة الظالمة ثم بعد ذلك يتحدث عن استعجال الناس في ايام رسول الله (ص) الناس يستعجلون الرسول (ص) ويقولون له أين هذا العقاب ، اين هذا العذاب ؟ لماذا لا ينزل بنا نحن الان كفرنا تحديناك لم نؤمن بك ، صممنا آذاننا عن قرآنك لماذا لا ينزل بنا هذا العذاب ؟ هنا القرآن يتحدث عن السرعة التاريخية التي تختلف عن السرعة الاعتيادية يقول ويستعجلونك بالعذاب ولن يخلف الله وعده (1) ، لانها سنة ، والسنة التاريخية ثابتة ، لكن وان يوما عند ربك كألف سنة مما تعدون (2) . اليوم الواحد في سنن التاريخ عند ربك باعتبار أن سنن التاريخ هي كلمات الله كما قرأنا في ما سبق ، كلمات الله سنن التاريخ . اذن في كلمات الله . في سنن الله ، اليوم الواحد المهلة القصيرة هي ألف سنة . طبعا في آية أخرى عبر بخمسين ألف سنة ، لكن اريد بذلك أيام القيامة لا يوم الدنيا وهذا هو وجه الجمع بين الآيتين ، الكلمتين . في آية أخرى قيل تعرج الملائكة والروح اليه في يوم كان مقداره
____________
(1) سورة الحج : الآية (47) .
(2) نفس الآية السابقة .
---
( 101 )
خمسين ألف سنة فاصبر صبرا جميلا انهم يرونه بعيدا ونراه قريبا يوم تكون السماء كالمهل (1) .

(5/18)


هذا ناظر الى يوم القيامة ، الى يوم تكون السماء كالمهل فيوم القيامة قدر بخمسين ألف سنة أما هنا يتكلم عن يوم توقيت نزول العذاب الجماعي وفقا لسنن التاريخ يقول وان يوما عند ربك كألف سنة مما تعدون اذن فهذا شكل ثالث من السنن التاريخية ، هذا الشكل هو عبارة عن اتجاهات موضوعية من مسار التاريخ وفي حركة الانسان وفي تركيب الانسان ، يمكن ان يتحدى على الشوط القصير ولكن سنن التاريخ لا تقبل التحدي على الشوط الطويل الا أن الشوط القصير والطويل هنا ليس بحسب طموحاتنا ، بحسب حياتنا الاعتيادية يوم أو يومين لان اليوم الواحد في كلمات الله وفي سنن الله كألف سنة مما نحسب ، هذا هو الشكل الثالث ، الدين هو المثال الرئيسي للشكل الثالث من أجل ان نعرف ان الدين ليس سنة من سنن التاريخ .. ما هو دوره ؟ ما هو موقعه ؟ لماذا أصبحت سنة من سنن التاريخ ليس مجرد تشريع وانما هو سنة ، يعني حاجة اساسية موضوعية حاله حال قانون الزوجية بين الذكر والانثى هو سنة
____________
(1) سورة المعارج : الآية (4 ـ 8) .
---
( 102 )
موضوعية لماذا صار هكذا ؟ وكيف صار هكذا ؟ وما هو دوره كسنة تاريخية من سنن التاريخ ؟
لكي نعرف ذلك يجب أن نأخذ المجتمع ونحلل عناصر المجتمع على ضوء القرآن الكريم لنصل الى مغزى قولنا ان الدين سنة من سنن التاريخ .
كيف نحلل المجتمع ؟ نحلل عناصر المجتمع على ضوء هذه الآية الكريمة واذ قال ربك للملائكة اني جاعل في الارض خليفة ، قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك ، قال اني اعلم ما لا تعلمون (1) .
على ضوء هذه الآية التي تعطينا أروع وادق وأعمق صيغة لتحليل عناصر المجتمع سوف ندرس هذه العناصر ونقارن ما بينها لنعرف في النهاية أن الدين سنة من سنن التاريخ .
____________
(1) سورة البقرة : الآية (30) .

(5/19)


الدرس الثامن :
قلنا بأن توضيح واقع هذه السنة القرآنية في سنن التاريخ يتطلب منا ان نحلل عناصر المجتمع ، ما هي عناصر المجتمع من زاوية نظر القرآن الكريم ، ما هي مقومات المركب الاجتماعي ، كيف يتم التنفيذ بين هذه العناصر والمقومات وضمن أي اطار وأي سنن ؟ هذه الاسئلة نحصل على جوابها في النص القرآني الشريف الذي تحدث عن خلق الانسان الاول واذ قال ربك للملائكة اني جاعل في الارض خليفة قالوا اتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك (1) . حينما نستعرض هذه الآية الكريمة نجد ان الله سبحانه وتعالى ينبأ الملائكة بأنه قرر انشاء مجتمع على الارض فما هي العناصر التي تتحدث عن هذه الحقيقة العظيمة ؟ هناك ثلاثة عناصر يمكن استخلاصها من العبارة القرآنية :
____________
(1) سورة البقرة : الآية (30) .
---
( 104 )
1 ـ الانسان .
2 ـ الارض أو الطبيعة على وجه عام اني جاعل في الارض خليفة فهناك ارض او طبيعة على وجه عام وهناك الانسان الذي يجعله الله سبحانه وتعالى على الارض .
3 ـ العلاقة المعنوية التي تربط الانسان بارض وبالطبيعة وتربط من ناحية اخرى الانسان بأخيه الانسان هذه العلاقة المعنوية التي سماها القرآن الكريم بالاستخلاف ، هذه هي عناصر المجتمع ، الانسان والطبيعة والعلاقة المعنوية التي تربط الانسان بالطبيعة من ناحية وتربط الانسان باخيه الانسان من ناحية اخرى وهي العلاقة التي سميت قرآنيا بالاستخلاف . ونحن حينما نلاحظ المجتمعات البشرية نجد انها جميعا تشترك بالعنصر الاول والعنصر الثاني ، فلا يوجد مجتمع بدون انسان يعيش مع أخيه الانسان ولا يوجد مجتمع بدون ارض او طبيعة يمارس الانسان عليها دوره الاجتماعي وفي هذين العنصرين تتفق المجتمعات التاريخية والبشرية . واما العنصر الثالث : ففي كل مجتمع علاقة كما ذكرنا ولكن المجتمعات تختلف طبيعة هذه العلاقة وفي كيفية صياغتها .

(6/1)


فالعنصر الثالث هو العنصر المرن والمتحرك من
---
( 105 )
عناصر المجتمع وكل مجتمع يبني هذه العلاقة بشكل قد يتفق وقد يختلف مع طريقة بناء المجتمع الاخر لها . وهذه العلاقة لها صيغتان احدهما صيغة رباعية وقد اطلق عليها اسم الصيغة الرباعية والاخرى صيغة ثلاثية .
الصيغة الرباعية : هي الصيغة التي ترتبط بموجبها الطبيعة والانسان مع الانسان ، هذه اطراف ثلاثة فالعلاقة اذن اتخذت صيغة تربط بموجبها بين هذه الاطراف وهي الطبيعة والانسان مع اخيه الانسان ولكن مع افتراض طرف رابع ايضا ، الصيغة الرباعية تربط بين هذه وهذا الطرف الرابع ليس داخلا في اطار المجتمع وانما خارج عن اطاره . ولكن الصيغة الرباعية للعلاقة الاجتماعية تعتبر هذا الطرف الرابع مقوما من المقومات الاساسية للعلاقة الاجتماعية على رغم خروجه خارج اطار المجتمع ، وهذه الصيغة الرباعية للعلاقة الاجتماعية ذات الابعاد الاربعة هي التي طرحها القرآن الكريم تحت اسم الاستخلاف .
الاستخلاف اذن هو العلاقة الاجتماعية من زاوية نظر القرآن الكريم وعند تحليل الاستخلاف نجد انه ذو اربعة اطراف لانه يفترض مستخلفا ايضا . لا بد من مستخلف ومستخلف عليه ، ومستخلف . فهناك
---
( 106 )

(6/2)


اضافة الى الانسان واخيه الانسان والطبيعة يوجد طرف رابع في طبيعة وتكوين علاقة الاستخلاف وهو المستخلف اذ لا استخلاف بدون مستخلف ، فالمستخلف هو الله سبحانه وتعالى والمستخلف هو الانسان واخوه الانسان ، أي الانسانية ككل الجماعة البشرية والمستخلف عليه هو الارض وما عليها ومن عليها فالعلاقة الاجتماعية ضمن صيغة الاستخلاف تكون ذات اطراف اربعة وهذه الصيغة تنطبق بوجهة نظر معينة نحو الحياة والكون بوجهة نظر قائلة بانه لا سيد ولا اله للكون وللحياة الا الله سبحانه وتعالى وان دور الانسان في ممارسة حياته انما هو دور الاستخلاف والاستئمام وأي علاقة تنشأ بين الانسان والطبيعة فهي في جوهرها ليست علاقة مالك بمملوك وانما هي علاقة امين على امانة استؤمن عليها وأي علاقة تنشأ بين الانسان واخيه الانسان مهما كان المركز الاجماعي لهذا او لذاك فهي علاقة استخلاف وتفاعل بقدر ما يكون هذا الانسان مؤديا لواجبه بهذه الخلافة وليس علاقة سيادة أو الوهية او مالكية ، هذه الصيغة الاجتماعية الرباعية الاطراف التي صاغها القرآن الكريم تحت اسم الاستخلاف ترتبط بوجهة النظر المعينة للحياة والكون . في مقابلها يوجد للعلاقة الاجتماعية صيغة ثلاثية الاطراف ، صيغة تربط بين
---
( 107 )
الانسان والانسان والطبيعة ولكنها تقطع صلة هذه الاطراف مع الطرف الرابع ، تجرد تركيب العلاقة الاجتماعية عن البعد الرابع ، عن الله سبحانه وتعالى . وبهذا تتحول نظرة كل جزء الى الجزء الاخر داخل هذا التركيب وداخل هذه الصيغة .
وجدت الالوان المختلفة للملكية والسيادة ، سيادة الانسان على أخيه الانسان باشكالها المختلفة التي استعرضها التاريخ بعد ان عطل البعد الرابع وبعد ان افترض ان البداية هي الانسان ، حينئذ تنوعت على مسرح الصيغة الثلاثية اشكال الملكية واشكال السيادة ، سيادة الانسان على اخيه الانسان .

(6/3)


وبالتدقيق في المقارنة بين الصيغتين ، الصيغة الرباعية والصيغة الثلاثية يتضح ان اضافة الطرف الرابع للصيغة الرباعية ليس مجرد اضافة عددية ، ليس مجرد طرف جديد يضاف الى الاطراف الاخرى بل ان هذه الاضافة تحدث تغييرا نوعيا في بنية العلاقة الاجتماعية وفي تركيب الاطراف الثلاثة الاخرى نفسها ، ليس هذا مجرد عملية جمع ثلاثة زائد واحد ، بل هذا الواحد الذي يضاف الى الثلاثة سوف يعطي للثلاثة روحا أخرى ومفهوما آخر ، سوف يحدث تغييرا اساسيا في كنية هذه العلاقة ذات الاطراف الاربعة كما رأينا ،
---
( 108 )
اذ يعود الانسان مع اخيه الانسان مجرد شركاء في محل هذه الامانة والاستخلاف وتعود الطبيعة بكل ما فيها من ثروات وبكل ما عليها ومن عليها مجرد امانة لابدّ من رعاية واجبها واداء حقها . هذا الطرف الرابع هو في الحقيقة مغير نوعي لتركيب العلاقة اذن امامنا للعلاقة الاجتماعية صيغتان صيغة رباعية وصيغة ثلاثية والقرآن الكريم آمن بالصيغة الرباعية كما رأينا في الآية الكريمة ، الاستخلاف هو الصيغة الرباعية للعلاقة الاجتماعية لكن القرآن الكريم اكثر من أنه آمن بالصيغة الرباعية في المقام أعتبر الصيغة الرباعية سنة من سنن التاريخ كما رأينا في الآية السابقة كيف اعتبر الدين سنة من سنن التاريخ كذلك اعتبر الصيغة الرباعية للعلاقة الاجتماعية التي هي صيغة الدين في الحياة . اعتبر هذه العلاقة بصيغتها الرباعية سنة من سنن التاريخ . كيف ؟
هذه الصيغة الرباعية عرضها القرآن الكريم على نحوين : عرضها تارة بوصفها فاعلية ربانية من زاوية دور الله سبحانه وتعالى في العطاء . وهذا هو العرض الذي قرأناه إني جاعل في الارض خليفة هذه العلاقة الرباعية معروضة في هذا النص الشريف باعتبارها عطاءا من الله ، جعلا من الله يمثل الدور
---
( 109 )

(6/4)


الايجابي والتكريمي من رب العالمين للانسان وعرض الصيغة الرباعية نفسها من زاوية اخرى . عرضها بوصفها وبنحو ارتباطها مع الانسان بما هي أمر يتقبله الانسان . عرضها من زاوية تقبل الانسان لهذه الخلافة وذلك في قوله سبحانه وتعالى انا عرضنا الامانة على السماوات والارض والجبال فأبين ان يحملنها واشفقن منها وحملها الانسان انه كان ظلوما جهولا (1) . الامانة هي الوجه التقبلي للخلافة ، الخلافة هي الوجه الفاعلي والعطائي للامانة ، الامانة والخلافة عبارة عن الاستخلاف والاستئمان وتحمل الاعباء . عبارة عن الصيغة الرباعية وهذه تارة نلحظها من زاوية ربطها بالفاعل وهو الله سبحانه وتعالى بقوله اني جاعل في الارض خليفة واخرى نلحظها من زاوية القابل كما يقول الفلاسفة ، من ناحية دور الانسان في تقبل هذه الخلافة وتحمل هذه الامانة وذلك بقوله تعالى وعرضنا الامانة على السماوات والارض والجبال ... وهذه الامانة التي تقبلها الانسان وتحملها حينما عرضت عليه بعض هذه الآية الكريمة ، هذه الامانة او هذه الخلافة او بالتفسير الذي قلناه هذه العلاقة الاجتماعية بصيغتها الرباعية . لم تعرض على الانسان بوصفها
____________
(1) سورة الاحزاب : الآية (72) .
---
( 110 )

(6/5)


تكليفا او طلبا ليس المقصود من عرضها على الانسان هو العرض على مستوى التكليف والطلب وليس المقصود من تقبل هذه الامانة هو تقبل هذه الخلافة على مستوى الامتثال والطاعة ، ليس المفروض ان يكون هكذا العرض وان يكون هكذا التقبل بقرينة ان هذا العرض كان معروضا على الجبال ايضا ، على السماوات والارض ايضا فمن الواضح انه لا معنى لتكليف السماوات والجبال والارض . نعرف من ذلك ان هذا العرض ليس عرض تشريعي ، هذا العرض معناه ان هذه العطية الربانية كانت تفتش عن الموضع المنسجم معها بطبيعته ، بفطرته ، بتركيبه التاريخي والكوني ، الجبال لا تنسجم مع هذه الخلافة ، السماوات والارض لا تنسجم مع هذه العلاقة الاجتماعية الرباعية . الانسان هو الكائن الوحيد الذي بحكم تركيبه وبحكم بنيته وبحكم فطرة الله التي قرأناها في الآية السابقة كان منسجما مع هذه العلاقة الاجتماعية ذات الاطراف الاربعة والتي تصبح أمانة وخلافة . اذن العرض هنا عرض تكويني والقبول هنا قبول تكويني وهو معنى سنة التاريخ يعني ان هذه العلاقة الاجتماعية ذات الاطراف الاربعة داخلة في تكوينة الانسان وفي تركيب مسار الانسان الطبيعي والتاريخي ، ونلاحظ انه في
---
( 111 )

(6/6)


هذه الآية الكريمة ايضا جاءت الاشارة الى هذه السنة التاريخية وانها سنة من الشكل الثالث . سنة تقبل التحدي وتقبل العصيان . ليست من تلك السنن التي لا تقبل التحدي ابدا ولو للحظة ، لا .. هي سنة فطرة ولكن هذه الفطرة تقبل التحدي . كيف اشار القرآن الكريم الى ذلك بعد ان اوضح انها سنة من سنن التاريخ ؟ قال : وحملها الإنسان انه كان ظلوما جهولا هذه العبارة الأخيرة انه كان ظلوما جهولا تأكيد على طابع هذه السنة وان هذه السنة على الرغم من انها سنة من سنن التاريخ ولكنها سنة تقبل التحدي ، تقبل ان يقف الانسان منها موقفا سلبيا . هذا التعبير يوازي تعبير ولكن اكثر الناس لا يعلمون في الآية السابقة اذن الآية السابقة استخلصنا منها ان الدين سنة من سنن الحياة ومن سنن التاريخ ومن هذه الآية نستخلص ان صيغة الدين للحياة التي هي عبارة عن العلاقة الاجتماعية الرباعية ، العلاقة الاجتماعية ذات الاطراف الاربعة التي يسميها القرآن بالخلافة والامانة والاستخلاف ، هذه العلاقة الاجتماعية هي ايضا بدورها سنة من سنن التاريخ بحسب مفهوم القرآن الكريم فالحقيقة ان الآية الاولى والآية الثانية متطابقتان تماما في مفادهما لانه في الآية الاولى قال فأقم وجهك للدين حنيفا فطرة الله
---
( 112 )

(6/7)


التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم (1) التعبير بالدين القيم تأكيد على أن ما هو الفطرة وما هو داخل في تكوين الانسان وتركيبه وفي مسار تاريخه هو الدين القيم يعني ان يكون هذا الدين قيما على الحياة ان يكون مهيمنا على الحياة ، هذه القيمومة في الدين هي التعبير المجمل في تلك الآية عن العلاقة الاجتماعية الرباعية التي طرحت في الآيتين ، في آية اني جاعل في الارض خليفة وآية انا عرضنا الامانة على السماوات والارض فالدين سنة الحياة والتاريخ ، الدين يدخل فيها بعداً رابعا لكي يحدث تغييرا في كنية هذه العلاقة لا لكي تكون مجرد اضافة عددية .
هذه مفاهيم القرآن الكريم مستخلصة من هذه الآيات عن هذه السنة ، اما كيف نريد ان نتعرف بصورة اوضح وأوسع عن هذه السنة ، عن دور التاريخ كسنة ، عن دور الدين القيم ودور الخلافة والامانة ، عن دور العلاقة الاجتماعية ذات الاطراف الاربعة ، دور الطرف الرابع . ما هو دوره كسنة من سنن التاريخ ، وكيف كان سنة من سنن التاريخ ؟ ، وكيف كان مقوما اساسيا لمسار الانسان على الساحة التاريخية ؟ لكي نتعرف على
____________
(1) سورة الروم : الآية (30) .
---
( 113 )
ذلك لا بد من ان نتعرف على الركنين الثابتين في العلاقة الاجتماعية ، هناك ركنان ثابتان في العلاقة الاجتماعية احدهما الانسان واخوه الانسان والاخر الطبيعة ، الكون والارض . هذان الركنان داخلان في الصيغة الثلاثية وداخلان في الصيغة الرباعية ، ومن هنا نسميهما بالركنين الثابتين في العلاقة الاجتماعية لكي نعرف دور الركن الجديد ودور هذا الركن الجديد ، دور هذا الطرف الرابع ، دور الله سبحانه وتعالى في تركيب العلاقة الاجتماعية ، يجب ان نعرف مقدمة لذلك دور الركنين الثابتين .

(6/8)


ما هو دور الانسان في عملية التاريخ من زاوية النظرة القرآنية ، من زاوية النظرة للقرآن والفهم الرباني من القرآن للتاريخ وسنن الحياة ؟ ما هو دور الانسان في العلاقة الاجتماعية ؟ وما هو دور الطبيعة في العلاقة الاجتماعية على ضوء تشخيص هذين الدورين وتحديد هذين الموقفين ، سوف يتضح حينئذ دور هذا الطرف الجديد ، دور الطرف الرابع الذي تتميز به الصيغة الرباعية عن الصيغة الثلاثية . ويتضح ان هذا الطرف الرابع عنصر ضروري بحكم سنة التاريخ وتركيب خلقة الانسان ولابدّ وان يندمج مع الاطراف الاخرى لتكوين علاقة
---
( 114 )
اجتماعية رباعية الاطراف . اذن ففهم هذه السنة التاريخية يتطلب منا ان نتحدث عن دور الانسان والطبيعة في عملية التاريخ من زاوية نظر القرآن الكريم وهذا ما سيأتي انشاء الله .
---
( 115 )
الدرس التاسع :
قلنا في ما سبق ان اكتشاف الابعاد الحقيقية لدور الدين في حركة التاريخ والمسيرة الاجتماعية للانسان تتوقف على تحقيق وتقييم دور العنصرين او الركنين الثابتين في الصيغة وهما الانسان والطبيعة .
الان نتحدث عن الانسان ودور الانسان في الحركة التاريخية من زاوية مفهوم القرآن الكريم .
من الواضح على ضوء المفاهمي التي قرأناها سابقا ان الانسان أو المحتوى الداخلي للانسان هو الاساس لحركة التاريخ واننا ذكرنا ان حركة التاريخ تتميز عن كل الحركات الاخرى بانها حركة غائية لا سببية فقط ، ليست مشدودة الى سببها ، الى ماضيها . بل هي مشدودة الى الغاية لانها حركة هادفة لها علة غائية متطلعة الى المستقبل . فالمستقبل هو المحرك لأي نشاط من النشاطات التاريخية . والمستقبل معدوم فعلا وانما
---
( 116 )

(6/9)


يحرك من خلال الوجود الذهني الذي يتمثل فيه هذا المستقبل . اذن ، فالوجود الذهني هو الحافز والمحرك والمدار لحركة التاريخ وهذا الوجود الذهني يجسد من ناحية جانبا فكريا وهو الجانب الذي يضم تصورات الهدف ، وايضا يمثل من جانب آخر الطاقة والارادة التي تحفز الانسان نحو هذا الهدف . اذن هذا الوجود الذهني الذي يجسد المستقبل المحرك يعبر بجانب منه عن الفكر وفي جانب آخر منه عن الارادة وبالأمتزاج بين الفكر والارادة تتحقق فاعلية المستقبل ومحركيته للنشاط التاريخي على الساحة الاجتماعية . وهذان الامران الفكر والارادة هما في الحقيقة المحتوى الداخلي الشعوري للانسان . انه يتمثل في هذين الركنين الاساسيين وهما الفكر والارادة . اذن المحتوى الداخلي للانسان هو الذي يصنع هذه الغايات ويجسد هذه الاهداف من خلال مزجه بين فكرة وارادة . وبهذا صح القول بأن المحتوى الداخلي للانسان هو الاساس لحركة التاريخ . والبناء الاجتماعي العلوي بكل ما يضم من علاقات ومن انظمة ومن افكار وتفاصيل هذا البناء العلوي في الحقيقة مرتبط بهذه القاعدة في المحتوى الداخلي للانسان ويكون تغيره وتطوره تابعا لتغير هذه القاعدة وتطورها فاذا تغير الاساس تغير
---
( 117 )
البناء العلوي ، واذا بقي الاساس ثابتا ، بقي البناء العلوي ثابتا .

(6/10)


فالعلاقة بين المحتوى الداخلي للانسان والبناء الفوقي والتاريخي للمجتمع ، هذه العلاقة علاقة تبعية أي علاقة سبب بسبب . هذه العلاقة تمثل سنة تاريخية تقدم الكلام عنها في قوله سبحانه وتعالى ان الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم (1) . هذه الآية واضحة جدا في المفهوم الذي اعطيناه وهو ان المحتوى الداخلي للإنسان هو القاعدة والأساس لبناء العلوي ، للحركة التاريخية لان الاية الكريمة تتحدث عن تغييرين احدهما تغيير القول ان الله لا يغير ما بقوم يعني تغيير اوضاع القوم ، شؤون القوم ، الابنية العلوية للقوم ، ظواهر القوم ، هذه لا تتغير حتى يتغير ما بأنفس القوم . اذن التغيير الاساس هو تغيير ما بنفس القوم والتغيير النابع المترتب على ذلك هو تغيير حالة القوم النوعية والتاريخية والاجتماعية ومن الواضح ان المقصود من تغيير ما بالانفس . تغيير ما بأنفس القوم بحيث يكون المحتوى الداخلي للقوم كقوم وكأمة وكشجرة مباركة تؤتي أكلها كل حين متغيرا . والا تغير الفرد الواحد او الفردين او الافراد الثلاثة
____________
(1) سورة الرعد : الآية (11) .
---
( 118 )
لا يشكل الاساس لتغير ما بالقوم ، وانما يكون تغير ما بالقوم تابعا لتغير ما بأنفسهم كقوم وكأمة وكشجرة مباركة تؤتي اكلها كل حين . فالمحتوى النفسي والداخلي للامة كأمة لا لهذا الفرد او لذلك الفرد هو الذي يعتبر أساسا وقاعدة للتغييرات في البناء العلوي للحركة التاريخية كلها .

(6/11)


والاسلام والقرآن الكريم يؤمن بأن العمليتين يجب ان تسيرا جنبا الى جنب في عملية صنع الانسان لمحتواه الداخلي وبناء الانسان لنفسه ولفكره ولارادته ولمطموحاته . هذا البناء الداخلي يجب ان يسير جنبا الى جنب مع البناء الخارجي ، مع الابنية العلوية ولا يمكن ان يفترض انفكاك البناء الداخلي عن البناء الخارجي الا اذا بقي البناء الخارجي بناءا مهزوزا متداعيا . ولهذا سمى الاسلام عملية بناء المحتوى الداخلي اذا اتجهت اتجاها صالحا بـ الجهاد الاكبر . وسمى عملية البناء الخارجي اذا اتجهت اتجاها صالحا بعملية الجهاد الاصغر وربط الجهاد الاصغر بالجهاد الاكبر واعتبر ان الجهاد الاصغر اذا فصل عن الجهاد الاكبر فقد محتواه ومضمونه ، بل فقد قدرته على التغيير الحقيقي على الساحة التاريخية والاجتماعية . اذن هاتان العمليتان يجب ان تسيرا جنبا الى جنب . فاذا
---
( 119 )

(6/12)


انفكت احداهما عن الاخرى فقدت حقيقتها ومحتواها وسمى الاسلام العملية الاولى عملية بناء المحتوى الداخلي بالجهاد الاكبر تأكيد على الصفة الاساسية للمحتوى الداخلي وتوضيحا لهذه الحقيقة ، حقيقة ان المحتوى الداخلي للانسان هو الاساس ولهذا سمي بالجهاد الاكبر . فاذا بقي الجهاد الاصغر منفصلا عن الجهاد الاكبر ، حينئذ لا يحقق ذلك في الحقيقة أي مضمون تغييري صالح . القرآن الكريم يعرض لحالة من حالات انفصال عملية البناء الخارجي عن عملية البناء الداخلي قال سبحانه وتعالى ومن الناس من يعجبه قوله في الحياة الدنيا ويشهد الله على ما في قلبه وهو الدّ الخصام . واذا تولى سعى في الارض ليفسد فيها ويهلك الحرث والنسل والله لا يحب الفساد (1) يريد ان يقول بان الانسان اذا لم ينفذ بعملية التغيير الى قلبه والى اعماق روحه ، اذا لم يبن نفسه بناءا صالحا لا يمكنه ابدا ان يطرح الكلمات الصالحة . التي يمكن ان تتحول الى بناء صالح في المجتمع اذا نبعت عن قلب يعمر بالقيم التي تدل عليها تلك الكلمات والا فتبقى الكلمات مجرد الفاظ جوفاء دون ان يكون لها مضمون ومحتوى . فمسألة القلب هي التي
____________
(1) سورة البقرة : الآية (204 ـ 205) .
---
( 120 )

(6/13)


تعطي للكلمات معناها وللشعارات ابعادها ولعملية البناء الخارجي اهدافها ومسارها . الى هنا عرفنا ان الاساس في حركة التاريخ هو المحتوى الداخلي للانسان . وهذا المحتوى الداخلي للانسان يشكل القاعدة . الان نتساءل : ما هو الاساس في هذا المحتوى الداخلي نفسه ، ما هي نقطة البدء في بناء هذا المحتوى الداخلي للانسان ، وما هو المحور الذي يستقطب عملية بناء المحتوى الداخلي للانسان ؟ هو المثل الاعلى ، عرفنا ان المحتوى الداخلي للانسان يجسد الغايات التي تحرك التاريخ ، يجسدها من خلال وجودات ذهنية تمتزج فيها الارادة بالتفكير . وهذه الغايات التي تحرك التاريخ يحددها المثل الاعلى . فانها جميعا تنبثق عن وجهة نظر رئيسية الى مثل اعلى للانسان في حياته ، للجماعة البشرية في حياتها . وهذا المثل الاعلى هو الذي يحدد الغايات التفصيلية وينبثق عنه هذا الهدف الجزئي وذلك الهدف الجزئي فالغايات بنفسها محركة للتاريخ وهي بدورها نتاج لقاعدة اعمق منها في المحتوى الداخلي للانسان وهو المثل الاعلى الذي تتمحور فيه كل تلك الغايات وتعود اليه كل تلك الاهداف . فبقدر ما يكون المثل الاعلى للجماعة البشرية صالحا وعاليا وممتدا تكون الغايات صالحة وممتدة ،
---
( 121 )

(6/14)


وبقدر ما يكون هذا المثل الاعلى محدودا او منخفضا تكون الغايات المنبثقة عنه محدودة ومنخفضة ايضا . اذن المثل الاعلى هو نقطة البدء في بناء المحتوى الداخلي للجماعة البشرية . وهذا المثل الاعلى يرتبط في الحقيقة بوجهة نظر عامة الى الحياة والكون ، يتحدد من قبل كل جماعة بشرية على اساس وجهة نظرها العامة نحو الحياة والكون ، على ضوء ذلك تحدد مثلها الاعلى . ومن خلال الطاقة الروحية التي تتناسب مع ذلك المثل الاعلى ومع وجهة نظرها الى الحياة والكون تحقق ارادتها للسير نحو هذا المثل وفي طريق هذا المثل . اذن هذا المثل الاعلى هو في الحقيقة ايضا يتجسد من خلال رؤية فكرية ومن خلال طاقة روحية تزحف بالانسان في طريقة ، وكل جماعة اختارت مثلها الاعلى ، فقد اختارت في الحقيقة سبيلها وطريقها ومنعطفات هذا السبيل وهذا الطريق كما رأينا ان الحركة التاريخية تتميز عن أي حركة اخرى في الكون بانها حركة غائية وهادفة وكذلك تتميز وتتمايز الحركات التاريخية انفسها بعضها عن بعض بمثلها العليا . فلكل حركة تاريخية مثلها الاعلى ، وهذا المثل الاعلى هو الذي يحدد الغايات والاهداف وهذه الاهداف والغايات هي التي تحدد النشاطات والتحركات ضمن مسار ذلك المثل الاعلى . والقرآن الكريم والتعبير الديني يطلق على المثل الاعلى في
---
( 122 )

(6/15)


جملة من الحالات اسم الاله باعتبار ان المثل الاعلى هو القائد الآمر المطاع الموجه . هذه صفات يراها القرآن لاله ولهذا يعبر عن كل من يكون مثل اعلى ، كل ما يمثل مركز المثل الاعلى يعبر عنه بالاله لانه هو الذي يصنع مسار التاريخ ، حتى ورد في قوله سبحانه وتعالى ( أرأيت من اتخذ الهه هواه ) (1) عبر حتى عن الهوى حينما يتصاعد تصاعدا مصطنعا فيصبح هو المثل الاعلى وهو الغاية القصوى لهذا الفرد او لذاك ، عبر عنه بانه اله . فالمثل العليا بحسب التعبير القرآني والديني هي آلهة في الحقيقة لانها هي المعبودة حقا وهي الآمرة والناهية حقا وهي المحركة حقا ، فهي آلهة في المفهوم الديني والاجتماعي . وهذه المثل العليا التي تتبناها الجمعات البشرية على ثلاثة اقسام :
القسم الاول : المثل الاعلى الذي يستمد تصوره من الواقع نفسه ، ويكون منتزعا من واقع ما تعيشه الجماعة البشرية من ظروف وملابسات ، أي ان الوجود الذهني الذي صاغ المستقبل هنا لم يستطع يرتفع على هذا الواقع بل انتزع مثله الاعلى من هذا الواقع بحدوده وبقيوده وبشؤونه . وحينما يكون المثل الاعلى منتزعا عن واقع الجماعة بحدودها وقيودها
____________
(1) سورة الفرقان : الآية (43) .
---
( 123 )
وشؤونها تصبح حالة تكرارية ، تصبح بتعبير آخر محاولة لتجميد هذا الواقع وحمله الى المستقبل بدلا عن التطلع اليه فقط يكون في الحقيقة تجميدا لهذا الواقع وتحويله من حالة نسبية ومن امر محدود الى امر مطلق لان الانسان يعترضه هدفا ومثلا اعلى وحينما يتحول هذا الواقع من امر محدود الى هدف مطلق ، الى حقيقة مطلقة لا يتصور الانسان شيئا وراءها . حينما يتحول الى ذلك . سوف تكون حركة التاريخ حركة تكرارية لحالة سابقة ولهذا سوف يكون المستقبل تكرارا للواقع وللماضي .

(6/16)


هذا النوع من الآلهة يعتمد على تجميد الواقع وتحويل ظروفه النسبية الى ظروف مطلقة لكي لا تستطيع الجماعة البشرية ان تتجاوز الواقع وان ترتفع بطموحاتها عن هذا الواقع . تبني هذا النوع من المثل العليا له احد سببين : السبب الاول الالفة والعادة والخمول والضياع ، وهذا سبب نفسي ، واذا انتشرت هذه الحالة في مجتمع حينئذ يتجمد ذلك المجتمع لانه سوف يصنع الهة من واقعه ، سوف يحول هذا الواقع النسبي المحدود الذي يعيشه الى حقيقة مطلقة ، الى مثل اعلى الى هدف لا يرى وراءه شيئا ، وهذا في الحقيقة هو ما عرضه القرآن الكريم
---
( 124 )
في كثير من الآيات التي تحدثت عن المجتمعات التي واجهت الانبياء حينما جاؤها بمثل عليا حقيقية ترتفع عن الواقع وتريد ان تحرك هذا الواقع وتنتزعه من حدوده النسبية الى وضع آخر . واجه هؤلاء الانبياء مجتمعات سادتها حالة الالفة والعادة والتميع فكان هذا المجتمع يرد على دعوة الانبياء ويقول باننا وجدنا اباءنا على هذه السنة ، وجدنا آباءنا على هذه الطريقة ونحن متمسكون بمثلهم الاعلى ، سيطرة الواقع على اذهانهم وتغلغل الحس في طموحاتهم بلغ الى درجة تحول هذا من خلالها الى انسان حسي لا الى انسان مفكر ، الى الى انسان يكون ابن يومه دائما ، ابن واقعه دائما لا أبا يومه أبا واقعه . ولهذا لا يستطيع ان يرتفع على هذا الواقع .
لاحظوا القرآن الكريم وهو يقول قالوا بل نتبع ما الفينا عليه آباءنا أولو كان آباؤهم لا يعقلون (1) .
قالوا حسبنا ما وجدنا عليه آباءنا ، أولو كان آباؤهم لا يعلمون شيئا ولا يهتدون (2) . قالوا أجئتنا لتلفتنا عما وجدنا عليه آباءنا وتكون لكما الكبرياء في الارض وما نحن لكما بمؤمنين (3) .
____________
(1) سورة البقرة : الآية (170) .
(2) سورة المائدة : الآية (104) .
(3) سورة يونس : الآية (78) .
---
( 125 )

(6/17)


أتنهانا ان نعبد ما يعبد آباؤنا واننا لفي شك مما تدعونا اليه مريب (1) ، قالت رسلهم افي الله شك فاطر السموات والارض يدعوكم ليغفر لكم من ذنوبكم ويؤخركم الى اجل مسمى ، قالوا ان انتم الا بشر مثلنا تريدون أن تصدونا عما كان يعبد آباؤنا فأتونا بسلطان مبين (2) بل قالوا إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مهتدون (3) في كل هذه الآيات يستعرض القرآن الكريم السبب الاول لتبني المجتمع هذا المثل الاعلى المنخفض . هؤلاء بحكم الالفة والعادة وبحكم التميع والفراغ وجدوا سنة قائمة . وجدوا وضعا قائما فلم يسمحوا لانفسهم بأن يتجاوزوه بل جسدوه كمثل اعلى وعارضوا به دعوات الانبياء على مر التاريخ ، هذا هو السبب الاول لتبني هذا المثل الاعلى المنخفض .
السبب الثاني لتبني هذا المثل الاعلى المنخفض هو التسلط الفرعوني على مر التاريخ ، الفراعنة حينما يحتلون مراكزهم يجدون في أي تطلع الى المستقبل وفي أي تجاوز للواقع الذي سيطروا
____________
(1) سورة نوح : الآية (62) .
(2) سورة إبراهيم : الآية (10) .
(3) سورة الزخرف : الآية (22) .
---
( 126 )

(6/18)


عليه ، يجدون في ذلك زعزعة لوجودهم وهزا لمراكزهم . من هنا كان من مصلحة فرعون على مر التاريخ ان يغمض عيون الناس على هذا الواقع ، ان يحول الواقع الذي يعيشه مع الناس الى مطلق ، الى اله ، الى مثل أعلى لا يمكن تجاوزه ، يحاول ان يحبس وان يضع كل الامة في اطار نظرته هو ، في اطار وجوده هو لكي لا يمكن لهذه الامة ان تفتش عن مثل اعلى ينقلها من الحاضر الى المستقبل من واقعه الى طموح آخر أو أكبر من هذا الواقع . هنا السبب اجتماعي لا نفسي ، السبب خارجي لا داخلي . وهذا ايضا ما عرضه القرآن الكريم وقال فرعون يا أيها الملأ ما عرفت لكم من اله غيري (1) قال فرعون ما أريكم الا ما أرى وما أهديكم الا سبيل الرشاد (2) هنا فرعون يقول ما أريكم الا ما ارى يريد ان يضع الناس الذين يعبدونه كلهم في اطار رؤيته في اطار نظرته ، يحول هذه النظرة وهذا الواقع ، الى مطلق لا يمكن تجاوزه هنا الذي يجعل المجتمع يتبنى مثلا اعلى مستمد من الواقع هو التسلط الفرعوني الذي يرى في تجاوز هذا المثل الاعلى خطرا عليه وعلى وجوده . قال الله سبحانه وتعالى ثم ارسلنا موسى
____________
(1) سورة القصص : الآية (38) .
(2) سورة غافر : الآية (29) .
---
( 127 )

(6/19)


واخاه هارون بآياتنا وسلطان مبين . الى فرعون وملأه فاستكبروا وكانوا قوما عالين . فقالوا أنؤمن لبشرين مثلنا وقومهما لنا عابدون (1) نحن غير مستعدين ان نؤمن بهذا المثل الاعلى الذي جاء به موسى لانه سوف يزعزع عبادة قوم موسى وهارون لنا . اذن هذا التجميد ضمن اطار الواقع الذي تعيشه الجماعة أي جماعة بشرية ينشأ من حرص أولئك الذين تسلطوا على هذه الجماعة على ان يضمنوا وجودهم ويضمنوا الواقع الذي هم فيه وهم بناته . هذا هو السبب الثاني الذي عرضه القرآن الكريم . والقرآن الكريم يسمى هذا النوع من القوى التي تحاول ان تحول هذا الواقع المحدود الى مطلق وتحصر الجماعة البشرية في اطار هذا المحدود ، يسمي هذا بالطاغوت . قال سبحانه وتعالى والذين اجتنبوا الطاغوت أن يعبدوها وأنابوا الى الله لهم البشرى فبشر عباد . الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه أولئك هم الذين هداهم الله وأولئك هم أولي الألباب (2) . لاحظوا ذكر صفة اساسية مميزة لمن اجتنب عبادة الطاغوت ما هي ؟
____________
(1) سورة المؤمنون : الآية (45 ـ 47) .
(2) سورة الزمر : الآية (17 ـ 18) .
---
( 128 )
قال فبشر عباد . الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه (1) .

(6/20)


يعني لم يجعلوا هناك قيدا على ذهنهم ، لم يجعلوا أطارا محدودا لا يمكنهم ان يتجاوزوه ، جعلوا الحقيقة مدار همهم هدفهم ولهذا يستمعون القول فيتبعون أحسنه يعني هم في حالة تطلع وموضوعية تسمح لهم بان يجدوا الحقيقة يتبعوها . بينما لو كانوا يعبدون الطاغوت ، حينئذ يكونون في اطار هذا الواقع الذي يريده الطاغوت ، سوف لن يستطيعو أن يستمعوا الى القول فيتبعون احسنه وانما يتبعون فقط ما يراد لهم ان يتبعوه ، هذا هو السبب الثاني لاتباع وتبني هذه المثل ، اذن خلاصة ما مر بنا حتى الان : أن التاريخ يتحرك من خلال البناء الداخلي للانسان الذي يصنع للانسان غاياته هذه الغايات تبني على اساس المثل الاعلى الذي تنبثق عنه تلك الغايات لكل مجتمع مثل اعلى ولكن مثل اعلى مسار ومسيرة وهذا المثل الاعلى هو الذي يحدد في تلك المسيرة معالم الطريق وهو على ثلاثة أقسام حتى الان استعرضنا القسم الاول من المثل العليا وهو المثل الاعلى الذي ينبثق تصوره عن الواقع ويكون منتزعا
____________
(1) سورة الزمر : الآية (17 ـ 18) .
---
( 129 )
عن الواقع الذي تعيشه الجماعة وهذا مثل أعلى تكراري . وتكون الحركة التاريخية في ظل هذا المثل الاعلى حركة تكرارية ، أخذ الحاضر لكي يكون هو المستقبل وقلنا بان تبني هذا النوع من المثل الاعلى يقود الى احد سببين بحسب تصورات القرآن الكريم .
السبب الاول سبب نفسي وهو الالفة والعادة والضياع والسبب الاخر سبب خارجي وهو تسلط الفراعنة والطواغيت على مر التاريخ .

(6/21)


الدرس العاشر :
هذه المثل العليا المنخفضة المتنوعة عن الواقع والتي تحدثنا عنها في الدرس السابق في كثير من الاحيان تتخذ طابع الدين ويسبغ عليها هذا الطابع من اجل اعطائها قدسية تحافظ على بقائها واستمرارها على الساحة كما رأينا في الايات الكريمة المتقدمة كيف ان المجتمعات التي رفضت دعوة الانبياء كثيرا ما كانت تصر على التمسك بعبادة الاباء وبدين الاباء بالمثل الاعلى المعبود للاباء بل ان الحقيقة أن كل مثل اعلى من هذه المثل العليا المنخفضة لا ينفك عن الثوب الديني سواء ابرز بشكل صريح او لم يبرز لان المثل الاعلى دائما يحتل مركز الاله بحسب التعبير القرآني والاسلامي ، ودائما تستبطن علاقة الامة بمثلها الاعلى نوعا من العبادة ، من العبادة لهذا المثل الاعلى وليس الدين بشكلها العام الاعلاقة عابد بمعبود . اذا المثل الاعلى لا ينفك عن الثوب الديني سواء كان ثوبا دينيا صريحا او ثوبا
---
( 131 )

(7/1)


دينيا مستترا مبرقعا تحت شعارات اخرى فهو في جوهره دين وفي جوهره عبادة وانسياق . الا ان هذه الاديان التي تفرزها هذه المثل العليا المنخفضة اديان محدودة تبعا لمحدودية نفس هذه المثل لما كانت هذه المثل مثلا منخفضة ومحدودة قد حولت بصورة مصطنعة الى مطلقات والا هي في الحقيقة ليست الا تصورات جزئية عبر الطريق الطويل الطويل للانسان ، الا أنها حولت الى مطلقات بصورة مصطنعة . اذن هذه المحدودية في المثل تعكس الاديان التي تفرزها فالاديان التي تفرزها هذه المثل او بالتعبير الاخرى الاديان التي يفرزها الانسان من خلال صنع هذه المثل ، ومن خلال عملقة هذه المثل وتطويرها من تصورات الى مطلقات هذه الاديان تكون اديانا محدودة وضئيلة ، وتجزئة وهذه التجزئة في مقابل دين التوحيد الذي سوف نتكلم عنه حينما نتحدث عن مثله الاعلى القادر على استيعاب البشرية بابعادها واديان التجزئة هذه وهذه الالهة ، التي فرزها الانسان بين حين وحين هي التي يعبر عنها القرآن الكريم بقوله آن هي الا اسماء سميتموها انتم وآباؤكم (1) فهذه الآلهة التي يفرزها الانسان ، هذا الدين الذي يصنعه الانسان ، وهذا المثل الاعلى الذي هو نتاج بشري ، هذا
____________
(1) سورة النجم : الآية (23) .
---
( 132 )

(7/2)


لا يمكن ان يكون هو الدين القيم ، لا يمكن ان يكون هو المصعد الحقيقي للمسيرة البشرية لان المسيرة البشرية لا يمكن ان تخلق الهها بيدها . المجتمعات والامم التي تعيش هذا المثل الاعلى المنخفض المستمد من واقع الحياة ، قلنا بأنها تعيش حالة تكرارية يعني ان حركة التاريخ تصبح حركة تماثلية وتكرارية وهذه الامة تأخذ بيدها ماضيها الى الحاضر وحاضرها الى المستقبل ليس لها مستقبل في الحقيقة وانما مستقبلها هو ماضيها ومن هنا اذا تقدمنا خطوة في تحليل ومراقبة ومشاهدة اوضاع هذه الامة التي تتمسك بمثل من هذا القبيل اذا تقدمنا خطوة الى الامام نجد ان هذه الامة بالتدريج سوف تفقد ولاءها لهذا المثل ايضا لن تظل متمسكة بهذا المثل لان هذا المثل بعد ان يفقد فاعليته وقدرته على العطاء بعد ان يصبح نسخة من الواقع ويصبح اجرا مفروضا ومحسوسا وملموسا وغير قادر على تطوير البشرية وتصعيدها في مسارها الطويل ، تفقد هذه البشرية وهذه الجماعة بالتدريج ولاءها لهذا المثل ومعنى انها تفقد ولاءها لهذا المثل يعني ان القاعدة الجماهيرية الواسعة في هذه الامة سوف تتمزق وحدتها لان وحدة هذه القاعدة انما هي بالمثل الواحد فاذا ضاع المثل ضاعت هذه القاعدة .
---
( 133 )

(7/3)


هذه الامة بعد ان تفقد ولاءها لهذا المثل تصاب بالتشتت ، بالتمزق ، بالتبعثر ، تكون كما وصف القرآن الكريم بأسهم بينهم شديد تحسبهم جميعا وقلوبهم شتى ذلك بأنهم قوم لا يعقلون (1) . بأسهم بينهم شديد باعتبار أن هذه الامة التي لا يجمعها شيء الا تماثل الوجوه وتقارب الوجوه لا يجمعها مثل اعلى لا تجمعها طريقة مثلى ، لا يجمعها سبيل واحد ، قلوب متفرقة اهواء متشتتة ارواح مبعثرة وعقول مجمدة في حالة من هذا القبيل لا تبقى امة وانما يبقى شبح امة فقط ، وفي ظل هذا الشبح سوف ينصرف كل فرد في هذه الامة ينصرف الى همومه الصغيرة ، الى قضاياه المحدودة لانه لا يوجد هناك مثل اعلى تلتف حوله الطاقات ، تلتف حوله القابليات والامكانات تحشد من اجله التضحيات لا يوجد هذا المثل الاعلى حينما يسقط هذا المثل الاعلى تسقط الراية التي توحد الامة ، يبقى كل انسان مشدود الى حاجاته المحدودة ، الى مصالحه الشخصية الى تفكيره في اموره الخاصة كيف يصبح وكيف يمسي وكيف ياكل وكيف يشرب وكيف يوفر الراحة والاستقرار له ولاولاده ولعائلته أي راحة وأي استقرار ، الراحة بالمعنى
____________
(1) سورة الحشر : الآية (14) .
---
( 134 )
الرخيص ، بالمعنى القصير من الاستقرار يبقى كل انسان سجين حاجاته الخاصة ، سجين رغباته الخاصة يبقى يدور ويلتف حول هذه الرغبات وحول هذه الحاجات لا يرى غيرها ان لا يوجد المثل ، اذ ضاع المثل وتفتت وسقط في حالة من حالات هذه الامة ، قلنا بأن الامة تتحول الى شبح لا يبقى امة حقيقية ، وانما هناك شبح امة وقد علمنا التاريخ انه في حالة من هذا القبيل توجد ثلاث اجراءات ، ثلاث بدائل يمكن ان تنطبق على حالة هذه الامة الشبح .

(7/4)


الاجراء التاريخي الاول هو ان تتداعى هذه الامة امام غزو عسكري من الخارج لان هذه الامة التي افرغت من محتواها ، التي تخلت عن وجودها كأمة ، وبقيت كأفراد كل انسان يفكر في طعامه ولباسه ودار سكناه ولا يفكر في الامة من يفكر . اذا ففي وضع من هذا القبيل يمكن ان تتداعى هذه الامة امام غزو من الخارج ، وهذا ما وقع بالفعل بعد ان فقد المسلمون مثلهم الاعلى وفقدوا ولاءهم لهذا المثل الاعلى ووقعوا فريسة غزو التتار حينما سقطت حضارة المسلمين بايدي التتار هذا هو الاجراء التاريخي الاول .
والاجراء التاريخي الثاني : هو الذوبان والانصهار في مثل اعلى اجنبي في مثل مستورد من الخارج هذه
---
( 135 )
الامة بعد ان فقدت مثلها العليا النابعة منها فقدت فاعليتها واصالتها حينئذ تفتش عن مثل اعلى من الخارج تعطيه ولاءها لكي تمنحه قيادتها . هذا هو الاجراء التاريخي الثاني والاجراء التاريخي الثالث ان ينشأ في اعماق هذه الامة بذور اعادة المثل الاعلى من جديد بمستوى العصر الذي تعيشه الامة ، هذان الاجراءان ، الثاني والثالث وقفت الامة امامهما على مفترق طريقين حينما دخلت عصر الاستعمار ، كان هناك طريق يدعوها الى الانصهار في مثل اعلى من الخارج هذا الطريق الذي طبقه جملة من حكام المسلمين في بلاد المسلمين رضاخان في ايران و اتاتورك في تركيا ، حاول هؤلاء ان يجسدوا المثل الاعلى للانسان الاوروبي المنتصر ويطبقوا هذا المثل الاعلى ويكسبوا ولاء المسلمين انفسهم لهذا المثل الاعلى بعد ان ضاع المثل الاعلى في داخل المسلمين ، بينما رواد الفكر الاسلامي في بدايات عصر الاستعمار وفي أواخر الفترة التي سبقت عصر الاستعمار ، رواد الفكر الاسلامي ورواد النهضة الاسلامية اطلقوا جهودهم في سبيل الاجراء الثالث في سبيل اعادة الحياة الى الاسلام من جديد في سبيل انتشار هذا المثل الاعلى واعادة الحياة اليه وتقديمه بلغة
---
( 136 )

(7/5)


العصر وبمستوى العصر وبمستوى حاجات المسلمين . الامة تتحول الى شبح فتواجه احد هذه الاجراءات الثلاثة .
الان تكلمنا عن امة هذه الالهة المنخفضة . اذا تقدمنا خطوة نجد المثل التكراري يتمزق ، ان الامة تفقد ولاءها ، ان الامة تتحول الى شبح احد هذه اجراءات الثلاثة ، الان نرجع الى الوراء خطوة . سوف نواجه النوع الثاني من الالهة من المثل العليا اليس قلنا في البداية ان المثل العليا عكس ثلاثة انواع . تكلمنا الان عن النوع الاول .
اذا رجعنا خطوة اخرى الى الوراء وهذا ما سوف اشرح معناه بعد لحظات . سوف نواجه النوع الثاني من الالهة من المثل العليا . هذا النوع الثاني يعبر عن كل مثل أعلى للامة يكون مشتقا من طموح الامة ، من تطلعها نحو المستقبل ، ليس هذا المثل تعبير تكراريا عن الواقع بل هو تطلع الى المستقبل وتحفز نحو الجديد والابداع ، والتطوير ولكن هذا المثل منتزع عن خطوة واحدة من المستقبل منتزع عن جزء من هذا الطريق الطويل المستقبلي أي ان هذا الطموح الذي منه انتزعت الامة مثلها كان طموحا محدودا كان طموحا مفيدا لم يستطع ان يتجاوز المسافات الطويلة ، وانما استطاع ان يكون
---
( 137 )

(7/6)


رؤية مستقبلية محدودة ، وهذه الرؤية المستقبلية المحدودة انتزع منها مثلها الاعلى وفي هذا المثل الاعلى جانب موضوعي صحيح ولكنه يحتوي على امكانيات خطر كبير اما الجانب الموضوعي الصحيح فهو ان الانسان عبر مسيرته الطويلة لا يمكنه ان يستوعب برؤيته الطريق الطويل الطويل كله ، لا يمكنه ان يستوعب المطلق لان الذهن البشري محدود والذهن البشري المحدود لا يمكن ان يستوعب المطلق وانما هو دائما يستوعب نفحة من المطلق ، شيئا من المطلق يأخذ بيده قبضة من المطلق تنير له الطريق ، تنير الدرب . فكون دائرة الاستيعاب البشري محدودة هذا أمر طبيعي أمر صحيح وموضوعي . ولكن الخطير في هذه المسألة ان هذه القبضة التي يقبضها الانسان من المطلق هذه القبضة هذه الكومة المحدودة ، هذه الومضة من النور التي يقبضها من هذا المطلق يحولها الى نور السماوات والارض ، يحولها الى مثل اعلى ، يحولها الى مطلق . هنا يكمن الخطر لانه حينما يصنع مثله الاعلى وينتزع هذا المثل من تصور ذهني محدود للمستقبل ، لكن يحول هذا التصور الذهني المحدود الى مطلق حينئذ هذا المثل الاعلى سوف يخدمه في المرحلة الحاضرة سوف يهيء له امكانية النمو بقدر طاقات هذا المثل ، بقدر ما يمثل
---
( 138 )
للمستقبل ، بقدر امكاناته المستقبلية سوف يحرك هذا الانسان وينشطه لكن سرعان ما يصل الى حدوده القصوى . وحينئذ سوف يتحول هذا المثل نفسه الى قيد للمسيرة ، الى عائق عن التطور ، الى مجمد لحركة الانسان لانه اصبح مثلا اصبح الها ، أصبح دينا ، أصبح واقعا قائما ، وحينئذ سوف يكون بنفسه عقبة أمام استمرار زحف الانسان نحو كماله الحقيقي ، وهذا المثل الذي يعمم خطأ يحول من محدود الى مطلق خطأ .
التعميم فيه تارة يكون تعميما افقيا خاطئا وأخرى تعميما زمنيا خاطئا . هناك تعميمان خاطئان لهذا المثل . هناك تعميم افقي خاطئ وهناك تعميم زمني عمودي خاطئ .

(7/7)


التعميم الأفقي الخاطئ : ان ينتزع الانسان من تصوره المستقبلي مثلا ويعتبر ان هذا المثل يضم كل قيم الانسان التي يجاهد من اجلها ويناضل في سبيلها . بينما هذا المثل على الرغم من صحته الا انه لا يمثل الا جزءا من هذه القيم . فهذا التعميم تعميم افقي خاطئ هذا المثل يكون معبرا عن جزء من افق الحركة بينما جرد منه ما يملأ كل افق الحركة . الانسان الاوروبي الحديث في بدايات عصر النهضة وضع مثلا اعلى وهو الحرية جعل الحرية مثلا اعلى لانه راى ان الانسان الغربي كان
---
( 139 )
محطما ومقيدا ، كانت على يديه الاغلال في كل ساحات الحياة كان مقيدا في عقائده العلمية والدينية بحكم الكنيسة وتعنتها كان مقيدا في قوته ورزقه بأنظمة الاقطاع كان مقيدا اينما يسير . اراد الانسان الاوروبي الرائد لعصر النهضة ان يحرر هذا الانسان من هذه القيود ، من قيود الكنيسة ، من قيود الاقطاع اراد ان يجعل من الانسان كائنا مختارا اذا اراد ان يفعل يفعل ، يفكر بعقله لا بعقل غيره ويتصور ويتأمل بذاته ولا يستمد هذا التصور كصيغ ناجزة من الاخرين ، وهذا شيء صحيح الا ان الشيء الخاطئ في ذلك هو التعميم الافقي فان هذه الحرية بمعنى كسر القيود عن هذا الانسان ، هذا قيمة من القيم هذا اطار للقيم ولكن هذا وحده لا يصنع الانسان ، انت لا تستطيع ان تصنع الانسان بان تكسر عنه القيود وتقول له افعل ما شئت ، لا يوجد انسان ولا كائن ، لا يوجد اقطاعي ولا قسيس ولا سلطان ولا طاغوت يضطرك الى موقف او يفرض عليك موقفا . هذا وحده لا يكفي فان كسر القيوم انما يشكل الاطار للتنمية البشرية الصالحة ، يحتاج هذا الى مضمون الى محتوى مجرد انه يستطيع ان يتصرف ، يستطيع ان يمشي في الاسواق هذا لا يكفي ، اما كيف ويمشي وما هو الهدف الذي من اجله يمشي في الاسواق
---
( 140 )

(7/8)


المحتوى والمضمون هو الذي فات الانسان الاوربي ، الانسان الاوربي جعل الحرية هدفا وهذا صحيح ولكنه صير من هذا الهدف مثلا اعلى بينما هذا الهدف ليس الا اطار في الحقيقة وهذا الاطار بحاجة الى محتوى والى مضمون واذا جرد هذا الاطار عن محتواه سوف يؤدي الى الويل والدمار ، الى الويل الذي تواجهه الحضارة الغربية اليوم التي صنعت للبشرية كل وسائل الدمار لان الاطار بقي بلا محتوى بقي بلا مضمون حينئذ . هذا هو مثلا للتعميم الافقي ، التعميم الافقي للمثل الاعلى .
واما التعميم الزمني ايضا كذلك على مر التاريخ توجد خطوات ناجحة تاريخيا ولكنها لا يجوز ان تحول من حدودها كخطوة الى مطلق ، الى مثل اعلى يجب ان تكون ممارسة تلك الخطوة ضمن المثل الاعلى لا ان تحول هذه الخطوة الى مثل اعلى حينما اجتمع في التاريخ مجموعة من الاسر فشكلوا القبيلة . ومجموعة من القبائل فشكلت عشيرة ، ومجموعة من العشائر فشكلت أمة هذه الخطوات صحيحة لتقدم البشرية وتوحيد البشرية ولكن كل خطوة من هذه لا يجب ان تتحول الى مثل اعلى لا يجوز ان تتحول الى مطلق ، لا يجوز ان تكون العشيرة هي المطلق الذي يحارب من اجله
---
( 141 )

(7/9)


هذا الانسان وانما المطلق الذي يحارب من اجله الانسان يبقى هو ذاك المطلق الحقيقي ، يبقى هو الله سبحانه وتعالى ، الخطوة تبقى كاسلوب ولكن المطلق يبقى هو الله سبحانه وتعالى هذا التعميم الزمني ايضا هو شكل من التعميم الخاطئ حينما يحول هذا المثل المنتزع من خطوة محدودة عبر الزمن يحول الى مثل اعلى . وحال هذا الانسان الذي يحول هذه الرؤية المحدودة عبر الزمن يحولها الى مطلق حاله حال الانسان الذي يتطلع الى الافق فلا تساعده عينه الا الى النظر على مسافة محدودة فيخيل له ان الدنيا تنتهي عند الافق الذي يراه ، ان السماء تنطبق على الارض على مسافة قريبة منه وقد يخيل له وجود الماء ، وجود السراب على مقربة منه . الا ان هذا في الحقيقة ناشئ من عجز عينيه عن ان يتابع المسافة الارضية الطويلة الامد .
كذلك هنا هذا الانسان الذي يقف على طريق التاريخ الطويل ، على طريق المسيرة البشرية له افق يحكم قصوره الذهني وبحكم محدودية الذهن البشري . له افق كذلك الافق الجغرافي ولكن هذا الافق يجب ان يتعامل معه كافق لا كمطلق كما اننا نحن على الصعيد الجغرافي لا نتعامل مع هذا الافق الذي نراه على بعد عشرين مترا او مائتي متر انه نهاية الارض . وانما
---
( 142 )
نتعامل معه بأنه أفق . كذلك ايضا هنا يجب ان يتعامل هذا الانسان معه كافق لا يحول هذا الافق التاريخي الى مثل اعلى والا كان من قبيل من يسير نحو سراب ، انظروا الى التمثيل الرائع في قوله سبحانه وتعالى : والذين كفروا اعمالهم كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماءا حتى اذا جاءه لم يجده شيئا ووجد الله عنده فوفاه حسابه والله سريع الحساب (1) .
يعبر القرآن عن كل هذه المثل المصطنعة من دون الله سبحانه وتعالى بانها كبيت العنكبوت حيث يقول : مثل الذين اتخذوا من دون الله اولياء كمثل العنكبوت اتخذت بيتا وان اوهن البيوت لبيت العنكبوت لو كانوا يعلمون (2) .

(7/10)


اذا قارنا بين هذين النوعين من المثل العليا المشتقة من الواقع والمثل العليا المشتقة من طموح محدود للاحظنا ان المثل العليا المشتقة من الواقع كثيرا ما تكون قد مرت بمرحلة هذه المثل التي تعبر عن طموح محدود . يعني كثيرا ما تكون تلك المثل من النوع الاول امتداداً للمثل من النوع الثاني ، بأن يبدأ هذا المثل الاعلى مشتقا من طموح لكن حينما يتحقق هذا الطموح
____________
(1) سورة النور : الآية (39) .
(2) سورة العنكبوت : الآية (41) .
---
( 143 )
المحدود ، حينما تصل البشرية الى النقطة التي أثارت هذه المثل . يتحول هذا المثل الى واقع محدود بحسب الخارج ، حينئذ يصبح مثلا تكراريا من هنا قلنا في ما سبق أننا لو رجعنا خطوة الى الوراء بالنسبة الى الهة النوع الاول ، مثل النوع الاول . لو رجعنا الى الوراء لوجدنا آلهة النوع الثاني فالمسألة في كثير من الاحيان تبدأ هكذا ، تبدأ بمثل اعلى له طموح مشتق من طموح مستقبلي ثم يتحول هذا المثل الاعلى الى مثل تكراري ، ثم يتمزق هذا المثل التكراري كما قلنا وتتحول الامة الى شبح أمة . في هذه الفترة الزمنية تمر الامة بمراحل في الحقيقة يمكننا تلخيصها في أربعة مراحل . المرحلة الاولى هي مرحلة فاعلية هذا المثل بحكم انه قد بدأ مشتقا من طموح مستقبلي ولكن طبعا هذه الفاعلية وهذا العطاء هو عطاء يسميه القرآن بالعاجل ، هذه المكاسب عاجلة وليست مكاسب على الخط الطويل . عاجلة لان عمر هذا المثل قصير ، وعطاءه محدود ، لان هذا المثل سوف يتحول في لحظة من اللحظات الى قوة ابادة لكل ما أعطاه من مكاسب ولهذا يسمى بالعاجل . انظروا الى قوله تعالى من كان يريد العاجلة عجلنا له فيها ما يشاء لمن نريد ثم جعلنا له جهنم يصلاها مذموما مدحورا . ومن اراد الاخرة وسعى لها سعيا وهو
---
( 144 )

(7/11)


مؤمن فاولئك كان سعيهم مشكورا . كلا نمد هؤلاء وهؤلاء من عطاء ربك وما كان عطاء ربك محظورا (1) الله سبحانه وتعالى خير محض ، عطاء محض ، جود كله ، فبقدر ما تتبنى الامة مثلا قابلا للتحريك . الله سبحانه وتعالى ايضا يعطي لكنه يعطي بقدر قابلية هذا المثل يعطي شيئا عاجلا لا اكثر . في حالة من هذا القبيل تكون السلطة التي تمثل هذا المثل ذات مثل اعلى ، ذات مثل يعطي ويبدع وتكون قيادة موجهة للامة في حدود هذا المثل وتكون للامة دور المشاركة في صنع هذا المثل وفي تحقيق هذا المثل . هذه المرحلة سوف تؤدي الى مكاسب ولكنها في النظر القرآني العميق الطويل الامد مكاسب عاجلة تعقبها جهنم ، جهنم في الدنيا وجهنم في الآخرة . هذه المرحلة الاولى مرحلة الابداع والتجديد .
المرحلة الثانية حينما يتجمد هذا المثل الاعلى حينما يستنفذ طاقته وقدرته على العطاء حينئذ يتحول هذا المثل الى تمثال والقادة الذين كانوا يعطون ويوجهون على أساسه يتحولون الى سادة وكبراء لا الى قادة . وجمهور الامة يتحول الى مطيعين ومنقادين لا الى مشاركين في الابداع
____________
(1) سورة الاسراء : الآية (18 ـ 20) .
---
( 145 )

(7/12)


والتطوير وهذه المرحلة هي المرحلة التي عبر عنها القرآن الكريم بقوله وقالوا ربنا أطعنا سادتنا وكبراءنا فاضلونا السبيلا (1) . ثم تأتي المرحلة الثالثة . مرحلة الامتداد التاريخي لهؤلاء . هذه السلطة تتحول الى طبقة بعد ذلك تتوارث مقاعدها عائليا أو طبقيا وراثيا بشكل من اشكال الوراثة ، وحينئذ تصبح هذه الطبقة هي الطبقة المترفة المنعمة الخالية من الاغراض الكبيرة ، المشغولة بهمومها الصغيرة وهذا ما عبر عنه القرآن الكريم بقوله وكذلك ما ارسلنا من قبلك في قرية من نذير الا قال مترفوها انا وجدنا آباءنا على أمة وانا على آثارهم مقتدون (2) هؤلاء امتداد تاريخي لآباء لهم تاريخ وهم امتداد تاريخي ، وهذا الامتداد التاريخي تحول من مستوى مثل وعطاء الى مستوى طبقة مترفة تتوارث هذا المقعد بشكل من اشكال التوارث . هذه هي المرحلة الثالثة ثم حينما تتفتت الامة ، حينما تتمزق الامة ، حينما تفقد ولاءها لذلك المثل التكراري على ضوء ما قلناه تدخل في مرحلة رابعة وهي اخطر المراحل ففي هذه المرحلة يسيطر عليها مجرموها ، يسيطر عليها اناس لا يرعون الا ولاذمة وهذا ما عبر
____________
(1) سورة الاحزاب : الآية (67) .
(2) سورة الزخرف : الآية (23) .
---
( 146 )

(7/13)


عنه القرآن الكريم في قوله سبحانه وتعالى وكذلك جعلنا في كل قرية اكابر مجرميها ليمكروا فيها وما يمكرون الا بأنفسهم (1) . حينئذ يسيطر مجموعة من هؤلاء المجرمين ، يسيطر هتلر والنازية مثلا في جزء من أوروبا لكي يحطم كل ما في أوروبا من خير وكل ما فيها اوروبا من ابداع ، لكي يقضي على كل تبعات ذلك المثل الاعلى الذي رفعه الانسان الاوروبي الحديث والذي تحول بالتدريج الى مثل تكراري ثم تفسخ هذا المثل لكن بقيت مكاسبه في المجتمع الاوروبي . يأتي شخص كهتلر لكي يمزق كل تلك المكاسب ويقضي عليها . الان نصل الى النوع الثالث من المثل العليا وهو الله سبحانه وتعالى . في هذا المثل التناقض الذي واجهناه سوف يحل باروع صورة كنا نجد تناقضا وحاصل هذا التناقض هو ان الوجود الذهني للانسان محدود ، والمثل يجب ان يكون غير محدود فكيف يمكن توفير المحدود وغير المحدود وكيف يمكن التنسيق بين المحدود وغير المحدود . هذا التنسيق سوف نجده في المثل الاعلى الذي هو الله سبحانه وتعالى .. لماذا ؟ لان هذا المثل الاعلى ليس من نتاج الانسان ، ليس افرازا ذهنيا للانسان ، بل هو مثل أعلى
____________
(1) سورة الانعام : الآية (123) .
---
( 147 )

(7/14)


عيني له واقع عيني . هو موجود مطلق في الخارج ، له قدرته المطلقة وله علمه المطلق وله عدله المطلق . هذا الوجود العيني بواقعه العيني يكون مثلا اعلى لانه مطلق لكن الانسان حينما يريد ان يستلهم من هذا النور ، حينما يريد ان يمسك بحزمة من هذا النور ، طبعا هو لا يمسك الا بالمقيد ، الا بقدر محدود من هذا النور الا انه يميز بين ما يمسك به وبين مثله الاعلى ، المثل الاعلى خارج حدود ذهنه ، لكنه يمسك بحزمة من النور . هذه الحزمة مقيدة لكن المثل الاعلى مطلق ، ومن هنا حرص الاسلام على التمييز دائما بين الوجود الذهني وما بين الله سبحانه وتعالى الذي هو المثل الاعلى . فرق حتى بين الاسم والمسمى وأكد على انه لا يجوز عبادة الاسم . وانما تكون العبادة للمسمى لان الاسم ليس الا وجودا ذهنيا ، الا واجهة ذهنية لله سبحانه وتعالى . بينما الواجهات الذهنية دائما محدودة العبادة يجب ان تكون للمسمى لا للاسم لان المسمى هو المطلق اما الاسم فهو مقيد ومحدود . الواجهات الذهنية تبقى كواجهات ذهنية محدودة مرحلية واما صفة المثل الاعلى فتبقى قائمة بالله سبحانه وتعالى .

(7/15)


الدرس الحادي عشر :
قال الله سبحانه وتعالى يا أيها الانسان انك كادح الى ربك كدحا فملاقيه (1) هذه الآية الكريمة تضع الله سبحانه وتعالى هدفا أعلى للانسان والانسان هنا بمعنى الانسانية ككل ، فالانسانية بمجموعها تكدح نحو الله سبحانه وتعالى والكدح هنا كدح الانسانية ككل ، نحو الله سبحانه وتعالى ، يعني السير المستمر بالمعاناة والجهد والمجاهدة ، لان هذا السير ليس سيرا اعتياديا ، بل هو سير ارتقائي ، هو تصاعد وتكامل ، هو سير تسلق ، فهؤلاء الذين يتسلقون الجبال ليصلوا الى القمم يكدحون نحو هذه القمم ، يسيرون سير معاناة وجهد . كذلك الانسانية حينما تكدح نحو الله فانما هي تتسلق الى قمم كمالها وتكاملها وتطورها الى الافضل
____________
(1) سورة الانشقاق : الآية (6) .
---
( 149 )
باستمرار . وهذا السير الذي يحتوي على المعاناة باستمرار يفترض طريقا لا محالة فان السير نحو هدف يفترض حتما طريقا ممتدا بين السائر وبين ذلك الهدف . وهذا الطريق هو الذي تحدثت عنه الآيات الكريمة في المواضع المتفرقة تحت اسم سبيل الله واسم الصراط واسم صراط الله هذه الصيغ القرآنية المتعددة كلها تتحدث عن الطريق الذي يفترضه ذلك السير وكما أن السير يفترض الطريق ، كذلك الطريق يفترض السير أيضا وهذه الآية الكريمة يا أيها الانسان انك كادح الى ربك كدحا فملاقيه تتحدث عن حقيقة قائمة ، عن واقع موضوعي ثابت . فهي ليست بصدد دعوة الناس الى أن يسيروا في طريق الله سبحانه وتعالى ، ليست بصدد الطلب والتحريك ، فما هو الحال في آيات أخرى في مقامات وسياقات قرآنية أخرى .

(8/1)


الآية القرآنية الكريمة لا تقول يا أيها الناس تعالوا الى سبيل الله ، توبوا الى الله ، بل تقول يا أيها الانسان انك كادح الى ربك كدحا فملاقيه ، لغة الآية لغة التحدث عن واقع ثابت وحقيقة قائمة وهي أن كل سير وكل تقدم للانسان في مسيرته التاريخية الطويلة الامد ، فهو تقدم نحو الله سبحانه وتعالى وسير نحو الله
---
( 150 )
سبحانه وتعالى حتى تلك الجماعات التي تمسكت بالمثل المنخفضة وبالآلهة المصطنعة واستطاعت ان تحقق لها سيرا ضمن خطوة على هذا الطريق الطويل ، حتى هذه الجماعات التي يسميها القرآن بالمشركين هم يسيرون هذه الخطوة نحو الله ، هذا التقدم بقدر فاعليته وبقدر زخمه هو اقتراب نحو الله سبحانه وتعالى ، لكن هناك فرق بين تقدم مسؤول وتقدم غير مسؤول ( على ما يأتي شرحه ان شاء الله ) ، حينما تتقدم الانسانية في هذا المفاض واعية على المثل الاعلى وعيا موضوعيا يكون التقدم تقدما مسؤولا ، يكون عبادة بحسب لغة الفقه ، لونا من العبادة يكون له امتداد على الخط الطويل وانسجام مع الوضع العريض للكون ، وأما حينما يكون التقدم منفصلا عن الوعي على ذلك المثل فهو تقدم على أي حال ، سير نحو الله على أي حال ، ولكنه تقدم غير مسؤول على ما يأتي تفصيله .
اذن كان تقدم هو تقدم نحو الله ، حتى اولئك الذين ركضوا وراء سراب كما تحدثت الآية الكريمة فان هؤلاء الذين يركضون وراء السراب الاجتماعي ، وراء المثل المنخفضة ، حينما يصلوا الى هذا السراب لا يجدون شيئا ، ويجدون الله سبحانه وتعالى فيوفيهم حسابهم كما تتحدث الآية الكريمة التي قرأناها فيما سبق ، والله
---
( 151 )

(8/2)


سبحانه وتعالى هو نهاية هذا الطريق ولكنه ليس نهاية جغرافية ليس نهاية على نمط النهايات الجغرافية للطرق الممتدة مكانيا . كربلاء مثلا نهاية طريق ممتد بين النجف وكربلاء ، كربلاء بمعناها المكاني نهاية جغرافية ، ومعنى انها نهاية جغرافية انها موجودة على آخر الطريق ، ليست موجدة على طول الطريق ، لو أن انسانا سار نحو كربلاء ووقف في نصف الطريق لا يحصل على شيء من كربلاء ، لا يحصل على حفنة من تراب كربلاء اطلاقا ، لان كربلاء نهاية جغرافية موجودة في آخر الطريق ، ولكن الله سبحانه وتعالى ليس نهاية على نمط النهايات الجغرافية ، الله سبحانه وتعالى هو المطلق ، هو المثل الاعلى ، أي المطلق الحقيقي العيني ، وبحكم كونه هو المطلق ، اذن هو موجود على طول الطريق أيضا ، ليس هناك فراغ منه ، ليس هناك انحسار عنه ، ليس هناك حد له ، الله سبحانه وتعالى هو نهاية الطريق ولكنه موجود أيضا على طول الطريق ، من وصل الى نصف الطريق ، من وصل الى سرابه ، فتوقف واكتشف انه سراب ، ماذا يجد ؟ ماذا وجد في الآية ؟.. وجد الله فوفاه الله حسابه لان المطلق موجود على طول الطريق وبقدر زخم الطريق وبقدر التقدم في الطريق يجد الانسان مثله الاعلى ، يلقى الله سبحانه وتعالى
---
( 152 )

(8/3)


اينما توقف بحجم سيره ، وبحجم تقدمه على هذا الطريق . وبحكم أن الله سبحانه وتعالى هو المطلق اذن الطريق ايضا لا ينتهي هذا الطريق طريق الانسان نحو الله هو اقتراب مستمر يقدر التقدم الحقيقي نحو الله ، ولكن هذا الاقتراب يبقى اقترابا نسبيا ، يبقى مجرد خطوات على الطريق من دون ان يجتاز هذا الطريق ، لان المحدود لا يصل الى المطلق ، الكائن المتناهي لا يمكن ان يصل الى اللامتناهي ، فالفسحة الممتدة بين الانسان وبين المثل الاعلى هنا فسحة لا متناهية ، أي انه ترك له مجال الابداع الى اللانهاية ، مجال التطور التكاملي الى اللانهاية ، بأعتبار أن الطريق الممتد طريق لا نهائي . وهذا المثل الاعلى الحقيقي حينما تتبناه المسيرة الانسانية وتوفق بين وعيها البشري والواقع الكوني الذي يفترض هذا المثل الاعلى حقيقة قائمة كما افترضته الآية ، المسيرة الانسانية حينما توفق بين وعيها على المسيرة وبين الواقع الكوني لهذه المسيرة ، بوصفها سائرة ومتجهة نحو الله سوف يحدث تغيير كيفي وكمي على هذه المسيرة ، هذه الحركة سوف يحدث فيها تغيير كيفي وكمي ، أما التغير الكمي على هذه الحركة فهو باعتبار ما أشرنا اليه من أن الطريق حينما يكون طريقا الى المثل الاعلى الحق يكون طريقا غير
---
( 153 )

(8/4)


متناهي ، أي أن مجال التطور والابداع ، والنمو قائم ابدا ودائما ، مفتوح للانسان بأستمرار من دون توقف هذا المثل الاعلى حينما يتبنى سوف نمسح من الطريق كل الآلهة المزورة ، كل الاصنام وكل الاقزام المتصنمة على طريق الانسان التي تقف عقبة بين الانسان وبين وصوله الى الله سبحانه وتعالى ، ومن هنا كان دين التوحيد صراعا مستمرا مع مختلف اشكال الالهة والمثل المنخفضة والتكرارية التي حاولت ان تتحد من كمية الحركة الى نقطة ثم تقول قف أيها الانسان . هذه الالهة التي ارادت أن توقف الانسان في وسط الطريق ، وفي نقطة معينة كان دين التوحيد على مر التاريخ هو حامل لواء المعركة ضدها ، هذا المثل الاعلى اذن سوف يحدث تغييرا كميا على الحركة لانه يطلقها من عقالها ، يطلقها من هذه الحدود المصطنعة لكي تسير بأستمرار وأما التغيير الكيفي الذي يحدثه المثل الاعلى على هذه المسيرة فهذا التغيير الكيفي هو اعطاء الحل الموضوعي الوحيد للجدل الانساني ، للتناقض الانساني ، اعطاء الشعور بالمسؤولية الموضوعية لدى الانسان ، الانسان من خلال ايمانه بهذا المثل الاعلى ووعيه على طريق بحدوده الكونية الواقعية من خلال هذا الوعي ينشأ بصورة موضوعية ، شعور معمق لديه بالمسؤولية تجاه
---
( 154 )
هذا المثل الاعلى لاول مرة في تاريخ المثل البشرية التي حركت البشر على مر التاريخ ، لماذا ؟

(8/5)


لان هذا المثل الاعلى حقيقة وواقع عيني منفصل عن الانسان وبهذا يعطي للمسؤولية شرطها المنطقي فان المسؤولية الحقيقية لا تقوم الا بين جهتين بين مسؤول ومسؤول لديه . اذا لم تكن هناك جهة أعلى من هذا الكائن المسؤول واذا لم يكن هذا الكائن المسؤول مؤمنا بأنه بين يديه جهة أعلى لا يمكن ان يكون شعوره بالمسؤولية شعورا موضوعيا ، شعورا حقيقيا ، مثلا تلك المثل المنخفضة ، تلك الالهة ، تلك الاقزام المتعملقة على مر التاريخ ، على مر المسيرة البشرية هي في الحقيقة لم تكن كما رأينا وكما حللنا الا افرازا بشريا ، الا انتاجا انسانيا ، يعني انها جزء من الانسان جزء من كيان الانسان ، والانسان يمكن ان يستشعر بصورة موضوعية حقيقة المسؤولية تجاه ما يفرزه ، هو اتجاه ما يصنعه هو ان هي الا أسماء سميتموها تلك المثل لا تصنع الشعور الموضوعي بالمسؤولية ، نعم قد تصنع قوانين ، قد تصنع عادات ، قد تصنع اخلاق ، ولكنها كلها عطاء ظاهري ، وكلما وجد هذا الانسان مجالا للتحلل من هذه العادات ، ومن هذه الاخلاق ، ومن هذه القوانين فسوف يتحلل .
---
( 155 )

(8/6)


بينما المثل الاعلى لدين التوحيد ، للانبياء على مر التاريخ باعتباره واقعا عينيا منفصلا عن الانسان ، باعتباره جهة اعلى من الانسان ليست افرازا بشريا ، ليست انتاجا انسانيا ، اذن سوف يتوصل للشعور بالمسؤولية ، شرطه الموضوعي في المقام ، لماذا كان الانبياء على مر التاريخ أصلاب الثوار على الساحة التاريخية ، أنظف الثوار على الساحة التاريخية ، لماذا كانوا على الساحة التاريخية فوق كل مساومة ، فوق كل مهادنة ، فوق كل تململ يمنة او يسرة ، لماذا كانوا هكذا ، لماذا انهار كثير من الثوار على مر التاريخ ولم يسمع أن نبيا من أنبياء التوحيد انهار أو تململ او أنحرف يمنة او يسرة عن الرسالة التي بيده وعن الكتاب الذي يحمله من السماء ، لان المثل الاعلى المنفصل عنه الذي فوقه هو الذي اعطاه نفحة موضوعية من الشعور بالمسؤولية وهذا الشعور بالمسؤولية تجسد في كل كيانه في كل مشاعره وافكاره وعواطفه ، ومن هنا كان النبي معصوما على مر التاريخ ، اذن هذا المثل الاعلى بحسب الحقيقة يحدث تغييرا كيفيا على المسيرة لانه يعطي الشعور بالمسؤولية ، وهذا الشعور بالمسؤولية ليس أمرا عرضيا ، ليس امرا ثانويا في مسيرة الانسان ، بل هو شرط أساسي في امكان انجاح
---
( 156 )
هذه المسيرة وتقديم الحل الموضوعي للتناقض الانساني للجدل الانساني ، لان الانسان يعيش تناقضا بحسب تركيبه وخلقته ، لانه هو تركيب من حفنة من تراب ونفخة من روح الله سبحانه وتعالى كما وصفت ذلك الآيات الكريمة .

(8/7)


الآيات الكريمة قالت بان الانسان خلق من تراب ، وقالت بانه نفخ فيه من روحه سبحانه وتعالى ، اذا فهو مجموع نقيضين اجتمعا والتحما في الانسان ، حفنة التراب تجره الى الارض ، تجره الى الشهوات الى الميول ، تجره الى كل ما ترمز اليه الارض من انحدار وانحطاط وروح الله سبحانه وتعالى التي نفخها فيها تجره الى أعلى تتسامى بانسانيته الى حيث صفات الله ، الى حيث اخلاق الله ، تتخلق باخلاق الله ، الى حيث العلم الذي لا حد له والقدرة التي لا حد لها ، الى حيث العدل الذي لا حد له ، الى حيث الجود والرحمة والانتقام ، الى حيث هذه الاخلاق الالهية ، هذا الانسان واقع في تيار هذا التناقض ، في تيار هذا الجدل بحسب محتواه النفسي ، بحسب تركيبه الداخلي ، هذا الجدل وهذا التناقض الذي احتوته طبيعة الانسان وشرحته قصة آدم على ما يأتي انشاء الله تعالى ، هذا الجدل الانساني له حل واحد فقط ، هذا الحل الواحد
---
( 157 )

(8/8)


الذي يمكن ان يفرض لهذا التناقض هو الشعور بالمسؤولية لا الشعور المنبثق عن هذا الجدل فان الشعور المنبثق عن نفس هذا الجدل لا يحل هذا الجدل بل هو يساهم في افراز هذا التناقض وهذا الشعور الموضوعي بالمسؤولية لا يكفله الا المثل الاعلى الذي يكون جهة عليا ، يحس الانسان من خلالها بانه بين يدي رب قادر سميع بصير محاسب مجاز على الظلم ، مجاز على العدل . اذن هذا الشعور الموضوعي بالمسؤولية الذي هو التغير الكيفي على المسيرة هو في الحقيقة الحل الوحيد للتناقض وللجدل الذي تستبطنه طبيعة الانسان وتركيب الانسان . دور دين التوحيد اذن هو عبارة عن تعبيد هذا الطريق الطويل الطويل ، تعبيده وازالة العوائق من خلال تنمية الحركة كميا وكيفيا ومحاربة تلك المثل المصطنعة والمنخفضة والتكرارية التي تريد ان تجمد الحركة من ناحية وأن تعريها من الشعور بالمسؤولية من ناحية اخرى ، ومن هنا كان حرب الانبياء كما أشرنا كان حرب الانبياء مع الالهة المصطنعة على مر التاريخ ، ولما كان كل مثل من هذه المثل العليا التي تتحول الى تمثال ضمن ظروف تطورها بالشكل الذي شرحناه فيما سبق ، حينما تتحول الى تمثال نجد في مجموعة من الناس ، تجد فيهم مدافعين طبيعيين عنها باعتبار ان مجموعة من الناس ترتبط مصالحهم وترفهم وكيانهم المادي
---
( 158 )

(8/9)


والدنيوي ببقاء هذا المثال الذي تحول الى تمثال ولهذا يقف دائما هؤلاء الذين يرتبطون مصلحيا بهذا التمثال ، يقفون دائما في وجهه الانبياء ليدافعوا عن مصالحهم ، عن دنياهم ، عن ترفهم ، ومن هنا ابرز القرآن الكريم سنة من سنن التاريخ وهي ان الانبياء دائما كانوا يواجهون المترفين من مجتمعاتهم كقطب آخر من المعارضة مع هذا النبي لان هذا المترف المستفيد من هذا المثال بعد ان تحول الى ذلك التمثال هذا المثال تحول الى تمثال فمن هو المستفيد منه ؟ المستفيد منه المترفون في ذلك المجتمع ، المنعمون على حساب الناس الذين يجعلون من هذا التمثال مبررا لوجودهم ، من هنا يكون من الطبيعي ان هؤلاء المترفين وهؤلاء المستفيدين تجدهم دائما في الخط المعارض للانبياء ، وكذلك ما ارسلنا من قبلك في قرية من نذير الا قال مترفوها انا وجدنا اباءنا على أمة وانا على آثارهم مقتدون (1) .
وما ارسلنا في قرية من نذير الا قال مترفوها انا بما ارسلتم به كافرون (2) سأصرف عن آياتي الذي يستكبرون في الارض بغير الحق وان يروا كل آية لا
____________
(1) سورة الزخرف : الآية (23) .
(2) سورة سبأ : الآية (34) .
---
( 159 )

(8/10)


يؤمنون بها . وان يروا سبيل الرشد لا يتخذوه سبيلا . وان يروا سبيل الغي يتخذوه سبيلا ذلك بانهم كذبوا بآياتنا وكانوا عنها غافلين (1) . وقال الملأ من قومه الذين كفروا وكذبوا بلقاء الاخرة واترفناهم في الحياة الدنيا ما هذا الا بشر مثلكم يأكل مما تأكلون منه ويشرب مما تشربون (2) . اذن دين التوحيد هو الذي يستأصل مصالح هؤلاء المترفين بالقضاء على الهتهم وعلى مثلهم التي تحولت الى تماثيل ، يقطع صلة البشرية بهذه المثل العليا المنخفضة ولكنه لا يقطع صلتها بهذه المثل العليا المنخفضة لكي يطأ برأسها في التراب ، لكي يحولها الى كومة مادية ليس لها اشواق ليس لها طموحات ليس لها تطلعات الى اعلى كما هو شأن الثوار الماديين الذين يستلهمون من المادية التأريخية ومن الفهم المادي للتاريخ ، اولئك ايضا يحاربون هذه الالهة المصطنعة ويسمونها أفيون الشعوب ونحن ايضا نحارب هذه الالهة المصطنعة ولكننا نحن نحاربها لا لكي نحول الانسان الى حيوان ، لا لكي نقطع صلة الانسان بأشواقه العليا ، لا لكي نحول مسار
____________
(1) سورة الاعراف : الآية (146) .
(2) سورة المؤمنون : الآية (33) .
---
( 160 )
الانسان من اعلى الى أسفل وانما نقطع صلة الانسان بهذه المثل المنخفضة لكي نشده الى المثل الاعلى لكي نشده الى الله سبحانه وتعالى وتبني المسيرة البشرية لهذا المثل الاعلى الحق الذي يحدث هذه التغيرات الكيفية والكمية على اتجاه المسيرة وحجمها ، تبني المسيرة البشرية لهذا المثل يتوقف على عدة أمور :

(8/11)


1 ـ على رؤية واضحة فكريا وايديولوجيا لهذا المثل الاعلى وهذه الرؤية الواضحة لهذا المثل الاعلى هو الذي تقدمه عقيدة التوحيد على مر التاريخ ، عقيدة التوحيد التي تنطوي على الايمان بالله سبحانه وتعالى ، التي توحد بين كل المثل ، بين كل الغايات وكل الطموحات وكل التطلعات البشرية وتوحد بينها في هذا المثل الاعلى الذي هو علم كله وقدرة كله وعدل كله وروحمة ، كله انتقام من الجبارين . هذا المثل الاعلى الذي تتوحد فيه كل الطموحات وكل الغايات ، هذا المثل الاعلى تعطينا عقيدة التوحيد رؤية واضحة له ، تعلمنا على ان نتعامل مع صفات الله واخلاق الله بوصفها حقائق عينية منفصلة عنا كما يتعامل فلاسفة الاغريق وانما نتعامل مع هذه الصفات والاخلاق بوصفها رائدا عمليا ، بوصفها هدفا لمسيرتنا العملية ، بوصفها مؤشرات على الطريق الطويل للانسان نحو الله
---
( 161 )
سبحانه وتعالى . عقيدة التوحيد هي التي توفر هذا الشرط الاول وهو الرؤية الواضحة فكريا وايديولوجيا للمثل اعلى .
2 ـ لابدّ من طاقة روحية مستمدة من هذا المثل الاعلى لكي تكون هذه الطاقة الروحية رصيدا ووقودا مستمرا للارادة البشرية على مر التاريخ ، هذه الطاقة الروحية ، هذا الوقود الذي يستمد من الله سبحانه وتعالى يتمثل في عقيدة يوم القيامة ، في عقيدة الحشر والامتداد ، عقيدة يوم القيامة تعلم الانسان ان هذه الساحة التاريخية الصغيرة التي يلعب عليها الانسان مرتبطة ارتباطا وثيقا بساحات برزخية وبساحات حشرية في عالم البرزخ والحشر . وان مصير الانسان على تلك الساحات العظيمة الهائلة مرتبط بدوره على هذه الساحة التاريخية . هذه العقيدة تعطي تلك الطاقة الروحية وذلك الوقود الرباني الذي ينعش ارادة الانسان ويحقق له دائما قدرته على التمديد والاستمرار .

(8/12)


3 ـ ان هذا المثل الاعلى الذي تحدثنا عنه يختلف عن المثل العليا الاخرى التكرارية والمنخفضة التي تحدثنا عنها سابقا على اساس ان هذا المثل منفصل عن الانسان ، ليس جزءا من الانسان ، ليس من افراز الانسان ، بل هو منفصل عنه ، هو واقع عيني قائم هناك ، قائم في كل
---
( 162 )
مكان وليس جزءا من الانسان ، هذا الانفصال يفرض وجود صلة موضوعية بين الانسان وهذا المثل الاعلى . بينما المثل الاخرى السابقة كانت انسانية ، كانت افرازا بشريا لاحاجة الى افتراض صلة موضوعية ، نعم هناك طواغيت وفراعنة على مر التاريخ نصبوا من انفسهم صلات موضوعية بين البشرية وبين آلهة الشمس ، آلهة الكواكب ولكنها صلة موضوعية مزيفة لان هذا الاله هناك كان وهما ، كان وجودا ذهنيا ، كان افرازا انسانيا ، اما هنا المثل الاعلى منفصل عن الانسان ولهذا كان لابدّ من صلة موضوعية تربط هذا الانسان بذلك المثل الاعلى . وهذه الصلة الموضوعية تتجسد في النبي في دور النبوة ، فالنبي هو ذلك الانسان الذي يركب بين الشرط الاول والشرط الثاني بأمر الله سبحانه وتعالى ، بين رؤية ايديولوجية واضحة للمثل الاعلى وطاقة روحية مستمدة من الايمان بيوم القيامة ، يركب بين هذين العنصرين ثم يجسد بدور النبوة . الصلة بين المثل الاعلى والبشرية هذا المركب الى البشرية بشيرا ونذيرا .
4 ـ البشرية بعد ان تدخل مرحلة يسميها القرآن مرحلة الاختلاف على ما يأتي ان شاء الله شرحه في الدروس القادمة سوف لن يكفي مجيء البشير النذير
---
( 163 )

(8/13)


لان مرحلة الاختلاف تعني مرحلة انتصاب تلك المثل المنخفضة او التكرارية ، تعني وجود تلك الالهة المزورة على الطريق ، وجود تلك الحواجب والعوائق عن الله سبحانه وتعالى ، اذن لابدّ للبشرية من ان تخوض معركة ضد الآلهة المصطنعة ، ضد تلك الطواغيت والمثل المنخفضة التي تنصب من نفسها قيما على البشرية وحاجب وقاطع طريق بالنسبة للمسيرة التاريخية ، لابدّ من معركة ضد هذه الآلهة ، لابدّ من قيادة تتبنى هذه المعركة وهذه القيادة هي الامامة ، هي دور الامام ، الامام هو القائد الذي يتولى هذه المعركة . ودور الامامة يندمج مع دور النبوة في مرحلة من مراحل النبوة يتحدث عنها القرآن وسوف نتحدث عنها انشاء الله تعالى ونقول بانها بدأت في أكبر الظن مع نوح عليه الصلاة والسلام . ودور الامام يندمج مع دور النبوة ولكنه يمتد حتى بعد النبي اذا ترك النبي الساحة وبعد لاتزال المعركة قائمة ولا تزال الرسالة بحاجة الى مواصلة هذه المعركة من اجل القضاء على تلك الآلهة حينئذ يمتد دور الامامة بعد انتهاء النبي . هذا هو الشرط الرابع في تبني المسيرة التاريخية لهذا المثل الاعلى ، على هذا الضوء سوف نكون رؤية واضحة لما نسميه الاصول الخمسة ، سوف تقع اصول الدين الخمسة في موقعها الطبيعي الصحيح
---
( 164 )
السليم من مسار الانسان ، اصول الدين الخمسة . التوحيد : هو الذي يعطي الرؤية الواضحة فكريا وايديولوجيا ، هو الذي يجمع ويعبئ كل الطموحات وكل الغايات في مثل اعلى واحد وهو الله سبحانه وتعالى .

(8/14)


العدل : هو جانب من التوحيد ولكن انما فصل العدل صفة من صفات الله سبحانه وتعالى حال العدل ، حال العليم ، حال القدرة ، لا يوجد ميزة عقائدية في العدل في مقابل العلم ، في مقابل القدرة ولكن الميزة هنا ميزة اجتماعية ، ميزة القدوة . لأن العدل هو الصفة التي تعطي للمسيرة الاجتماعية وتغنيها والتي تكون المسيرة الاجتماعية بحاجة اليها اكثر من أي صفة أخرى ، ابرز العدل هنا كأصل ثاني من اصول الدين باعتبار المدلول التوجهي ، باعتبار المدلول التربوي لهذه الصفة ، قلنا بان صفات الله واخلاق الله علمنا الاسلام بان لا نتعامل معها كحقائق عينية ميتافيزقية فوقنا لا صلة لنا بها وإنما نتعامل معها كمؤشرات وكمنارات على الطريق اذن من هنا كان العدل له مدلوله الاكبر بالنسبة الى توجيه المسيرة البشرية ولاجل ذلك أفرز . وان العدل في الحقيقة هو داخل في اطار التوحيد العام ، في اطار المثل الاعلى .
---
( 165 )
الاصل الثالث النبوة : النبوة هي التي توفر الصلة الموضوعية بين الانسان وبين المثل الاعلى . المسيرة البشرية كما قلنا حينما تبنت المثل الاعلى الحق المنفصل عنها الذي ليس من افرازها ومن انتاجها المنخفض كانت بحاجة الى صلة موضوعية . هذه الصلة الموضوعية يجسدها النبي (ص) ، النبي على مر التاريخ ، الانبياء عليهم الصلاة والسلام هم الذين يجسدون هذه الصلة الموضوعية .
الامامة : الامامة هي في الحقيقة تلك القيادة التي تندمج مع دور النبوة ، النبي هو امام ايضا ، النبي نبي والنبي امام ولكن الامامة لا تنتهي بانتهاء النبي اذا كانت المعركة قائمة واذا ما كانت الرسالة لا تزال بحاجة الى قائد يواصل المعركة . اذن سوف يستمر هذا الجانب من دور النبي خلال الامامة . فالامامة هو الاصل الرابع من اصول الدين .

(8/15)


والاصل الخامس هو ايمان بيوم القيامة : هو الذي يوفر الشرط الثاني من الشروط الاربعة التي تقدمت ، هو الذين يعطي تلك الطاقة الروحية ، ذلك الوقود الرباني الذي يجدد دائما ارادة الانسان وقدرة الانسان ويوفر الشعور بالمسؤولية والضمانات الموضوعية . اذن اصول الدين في الحقيقة
---
( 166 )
وبالتعبير التحليلي على ضوء ما ذكرناه هي كلها عناصر تساهم في تركيب هذا المثل الاعلى وفي اعطاء تلك العلاقة الاجتماعية بصفتها التاريخية ، بصفتها القرآنية الرباعية التي تحدثنا عنها في الدروس الماضية ، تحدثنا بان القرآن الكريم طرح العلاقة الاجتماعية ذات اربعة ابعاد لا ذات ثلاثة ابعاد ، طرحها بصيغة الاستخلاف وشرحنا في ما سبق صيغة الاستخلاف وقلنا بان الاستخلاف يفترض اربعة ابعاد ، يفترض انسانا وطبيعة والله سبحانه وتعالى وهو المستخلف . هذه الصيغة الرباعية للعلاقة الاجتماعية هي التعبير الاخر عن صيغة تدمج اصول الدين الخمسة في مركب واحد من اجل ان يسير الانسان ويكدح نحو الله سبحانه وتعالى في طريقه الطويل ، بما ذكرناه نوضح دور الانسان في المسرة التاريخية ، نوضح ان الانسان هو مركز الثقل في المسيرة التاريخية . هو مركز الثقل لا بجسمه الفيزيائي وانما بمحتواه الداخلي وهذا المحتوى الداخلي توضح ايضا من خلال ما شرحناه . ان الاساس في بناء هذا المحتوى الداخلي هو المثل الاعلى الذي يتبناه الانسان ، لان المثل الاعلى هو الذي تنبثق منه كل الغايات التفصيلية .
---
( 167 )
والغايات التفصيلية هي المحركات التاريخية للنشاطات على الساحة التاريخية . اذن المثل الاعلى وتبني المثل الاعلى هو في الحقيقة الاساس في بناء المحتوى الداخلي للانسان ومن هنا ظهر دور هذا البعد الرابع .

(8/16)


الدرس الثاني عشر :
مقدمة في تحليل عناصر المجتمع ، ان المجتمع يتكون من ثلاثة عناصر وهي : الانسان والطبيعة والعلاقة في الحلقة التاريخية ، وقد تحدثنا عن الانسان ودوره الاساسي في الحلقة التاريخية وتحدثنا عن الطبيعة وشأنها على الساحة التاريخية وبقي علينا ان نأخذ العنصر الثالث وهو : العلاقة الاجتماعية لنحدد موقفنا من هذه العلاقة الاجتماعية على ضوء ما انتهينا اليه من مواقف قرآنية تجاه دور الانسان والطبيعة على الساحة التاريخية ، العنصر الثالث هو العلاقة الاجتماعية وقد تقدم ان العلاقة الاجتماعية تتضمن علاقتين مزدوجتين احداهما علاقة الانسان مع الطبيعة والاخرى علاقة الانسان مع اخيه الانسان ، هذان خطّان من العلاقة الاجتماعية ، وهذان الخطان نؤمن بان كل واحد منهما مختلف عن الاخر ومستقل استقلالا نسبيا عن الاخر مع
---
( 169 )

(9/1)


شيء من التفاعل والتأثير المتبادل المحدود الذي سوف نشرحه بعد ذلك ان شاء الله تعالى من حيث الاساس ، هذان الخطان احدهما مختلف عن الاخر ومستقل استقلالا نسبيا عنه تبعا للاختلاف النوعي في طبيعة المشكلة التي يواجهها كل واحد من هذين الخطين ونوع الحل الذي ينسجم مع طبيعة تلك المشكلة . فالخط الاول الذي يمثل علاقات الانسان مع الطبيعة من خلال استثمارها ومحاولة تطويعها وانتاج حاجاته الحياتية منها . هذا الخط يواجه مشكلة وهي مشكلة التناقض بين الانسان والطبيعة ، ويعني تمرد الطبيعة وتعصيها عن الاستجابة للطلب الانساني وللحاجة الانسانية من خلال التفاعل ما بينهما ، هذا التناقض بين الانسان والطبيعة هو المشكلة الرئيسية على هذا الخط وهذا التناقض له حل من قانون موضوعي يمثل سنة من سنن التاريخ الثابتة ، وهذا القانون هو قانون التأثير المتبادل بين الخبرة والممارسة ، ذلك لان الانسان كلما تضاءل جهله بالطبيعة وكلما ازدادت خبرته بلغتها وبقوانينها ازدادت سيطرة عليها وتمكنا من تطويعها وتذليلها لحاجاته وحيث ان كل خبرة هي تتولد في هذا الحقل عادة من الممارسة ، وكل ممارسة تولد بدورها خبرة ولهذا كان قانون التأثير المتبادل بين الخبرة
---
( 170 )

(9/2)


والممارسة قانونا موضوعيا يكفل حل هذا التناقض ، يقدم الحل المستمر والمتنامي لهذا التناقض بين الانسان والطبيعة . اذ يتضاءل جهل الانسان باستمرار وتنمو معرفته باستمرار من خلال ممارسته للطبيعة يكتسب خبرة جديدة ، هذه الخبرة الجديدة تعطيه سيطرة على ميدان جديد من ميادين الطبيعة فيمارس على الميدان الجديد وهذه الممارسة بدورها ايضا تتحول الى خبرة وهكذا تنمو الخبرة الانسانية باستمرار ما لم تقع كارثة كبرى طبيعية او بشرية ، وهذا القانون ينموه وبتطابيقاته التاريخية يعطي الحلول التدريجية لهذه المشكلة ، فهي مشكلة محلولة تاريخيا ومحلولة موضوعيا ولعل في الآية الكريمة وآتاكم من كل ما سألتموه ، ان تعدوا نعمة الله لا تحصوها (1) لعل في الآية الكريمة اشارة الى هذا الحل الموضوعي المستمد من قانون التأثير المتبادل بين الخبرة والممارسة لان السؤال في الآية الكريمة وآتاكم من كل ما سألتمون لا يراد منه الدعاء طبعا السؤال اللفظي الذي هو الدعاء ، لان الآية تتكلم عن الانسانية ككل عمن يؤمن بالله ومن لا يؤمن بالله ، من يدعو الله ومن لا يدعو الله ، كما ان الدعاء لا يتضمن حتما تحصيل الشيء المدعو به ، نعم كل دعاء له استجابة ،
____________
(1) سورة ابراهيم الآية (34) .
---
( 171 )

(9/3)


لكن ليس لكل دعاء تحقيق لما تعلق به الدعاء ، بينما هنا يقول وآتاكم من كل ما سألتموه هنا ايتاء ، استجابة فعلية بعطاء ما سؤل عنه ، فأكبر الظن ان هذا السؤال من الانسانية ككل وعلى مر التاريخ وعبر الماضي والحاضر والمستقبل يتمثل في السؤال الفعلي والطلب التكويني الذي يحقق باستمرار التطبيقات التاريخية لقانون التأثير المتبادل بين الخبرة والممارسة ، هذه هي المشكلة التي يواجهها الخط الاول من العلاقات ، وهذا هو الحل الذي يوضع لهذه المشكلة . واما الخط الثاني من العلاقات علاقات الانسان مع اخيه الانسان في مجال توزيع الثورة أو في سائر الحقول الاجتماعية أو في أوجه التفاعل الحضاري بين الانسان واخيه الانسان ، فهذا الخط يواجه مشكلة أخرى ، ليست المشكلة هنا هي التناقض بين الانسان والطبيعة بل هي التناقض الاجتماعي بين الانسان واخيه الانسان . وهذا التناقض الاجتماعي بين الانسان واخيه الانسان يتخذ على الساحة الاجتماعية صيغا متعددة والوانا مختلفة ولكنه يظل في حقيقته وجوهره يظل شيئا ثابتا وحقيقة واحدة وروحا عامة وهي التناقض ما بين القوي والضعيف ، بين كائن في مركز القوة وكائن في مركز الضعف ، هذا الكائن
---
( 172 )

(9/4)


الذي هو في مركز القوة اذا لم يكن قد حل تناقضه الخاص ، جدله الانساني من الداخل فسوف يفرز لا محالة صيغة من صيغ التناقض الاجتماعي ومهما اختلفت الصيغة في مضمونها القانوني وفي شكلها التشريعي وفي لونها الحضاري فهي بلا شك صيغة من صيغ التناقض بين القوي والضعيف . قد يكون هذا القوي فردا فرعونا ، قد يكون طبقة ، قد يكون شعبا ، قد يكون امة ، كل هذه الوان من التناقض كلها تحتوي روحا واحدا وهي روح الصراع ، روح الاستغلال من القوي الذي لم يحل تناقضه الداخلي وجدله الانساني ، الصراع بينه وبين الضعيف ومحاولة استغلال هذا الضعيف . هذه اشكال متعددة من التناقض الاجتماعي الذي يواجهه خط العلاقات بين الانسان واخيه الانسان وهذه الاشكال المتعددة ذات الروح الواحدة كلها تنبع من معين واحد ، من تناقض رئيسي واحد ، وهو ذلك الجدل الانساني الذي شرحناه القائم بين حفنة التراب وبين اشواق الله سبحانه وتعالى ، ما لم ينتصر أفضل النقيضين في ذلك الجدل الانساني فسوف يظل هذا الانسان يفرز التناقض تلو التناقض والصيغة بعد الصيغة حسب الظروف والملابسات ، حسب الشروط الموضوعية ومستوى الفكر والثقافة ، اذن النظرة الاسلامية من
---
( 173 )

(9/5)


زاوية المشكلة التي يواجهها خط العلاقات بين الانسان واخيه الانسان . نظرة واسعة ، منفتحة ، معمقة ، لا تقتصر على لون من التناقض ، ولا تهمل ألوان أخرى من التناقض ، بل هي تستوعب كل أشكال التناقض على مر التاريخ وتنفذ الى عمقها وتكشف حقيقتها الواحدة ، وروحها المشتركة ثم تربط كل هذه التناقضات تربطها بالتناقض الاعمق ، بالجدل الانساني ، ومن هنا يؤمن الاسلام بأن الرسالة الوحيدة القادرة على حل هذه المشكلة التي يواجهها خط علاقات الانسان مع الانسان هو تلك الرسالة التي تعمل على مستويين في وقت واحد ، تعمل من أجل تصفية التناقضات الاجتماعية على الساحة لكن في نفس الوقت وقبل ذلك وبعد ذلك تعمل من أجل تصفية ذلك الجدل في المحتوى الداخلي للانسان من أجل تجفيف منبع تلك التناقضات الاجتماعية ، ويؤمن الاسلام بأن ترك ذلك المعين من الجدل والتناقض على حالة والاشتغال بتصفية التناقضات على الساحة الاجتماعية بصيغتها التشريعية فقط هذا نصف العملية ، النصف المبتور من العملية اذ سرعان ما يفرز ذلك المعين صيغا أخرى وفق هذه العملية التي سوف نستأصل بها الصيغ السابقة . فلا بد للرسالة التي تريد أن تضع الحل الموضوعي للمشكلة ان تعمل على كلا المستويين ،
---
( 174 )

(9/6)


أن تؤمن بجاهدين ، جهاد اكبر سماه الاسلام بالجهاد الاكبر وهو الجهاد لتصفية ذلك التناقض الرئيسي ، لحل ذلك الجدل الداخلي . وجهاد آخر ، جهاد في وجه كل صيغ التناقض الاجتماعي وفي وجه كل الوان استئثار القوي للضعيف من دون ان نحصر أنفسنا في نطاق صيغة معينة من صيغ هذا الاستئثار لان الاستئثار جوهره واحد مهما اختلفت صيغة . هذه هي النظرة المنفتحة الواقعية التي اثبتت التجربة البشرية باستمرار انطباقها على واقع الحياة خلافا للنظرة الضيقة التي فسرت بها المادية والثوار الماديون التي فسروا بها التناقض . فان ماركس على الرغم من ذكائه الفائق الا انه لم يستطع ان يتجاوز حدود النظرة التقليدية للانسان الاوروبي ، كان بحكم كونه فردا أوروبيا ، كان رهين هذه النظرة التقليدية . الانسان الاوروبي دائما يرى العالم ينتهي حيث تنتهي الساحة الاوروبية أو الساحة الغربية بتعبير أعم كما يعتقد اليهود بأن الانسانية هي كلها في اطارهم ليس علينا في الاميين من سبيل أولئك ليسو بشرا ، ليسو أناسا ، أولئك أميين ، همج ، كذلك الانسان الاوروبي اعتاد أن يضع الدنيا كلها في اطار ساحته الاوروبية والغربية ، لم يتخلص هذا
---
( 175 )

(9/7)


الرجل (1) من تقاليد هذه النظرة الاوروبية ، كما انه لم يتخلص من هيمنة العامل الطبقي الذي لعب دورا في افكار المادية التاريخية ، ومن هنا جاء لنا بتفسير محدود ضيق للتناقض الذي تواجهه الانسانية على هذا الخط اعتقد بأن مرد كل التناقضات على الساحة البشرية الى تناقض واحد هو التناقض الطبقي ، التناقض بين طبقة تملك كل وسائل الانتاج أو معظم وسائل الانتاج وطبقة لا تملك شيئا من وسائل الانتاج وانما تعمل من أجل مصالح الطبقة الاولى تستثمر في تشغيل وسائل الانتاج التي تملكها الطبقة الاولى ثم هذه الثروة المنتجة التي جسدت عرق جبين هذا العامل المستغل هذه الثورة المنتجة يستولي عليها الطبقة الاولى المالكة ولا يعطي للطبقة الثانية منها الا الحد الادنى ، حد الكفاف الذي يضمن استمرار حياة هذه الطبقة لكي تواصل خدمتها وممارستها ضمن اطار الطبقة الاولى ، هذا هو التناقض الطبقي الذي اتخذه قاعدة واساسا لكل ألوان التناقض الاخرى ، وهذا التناقض يتخذ مدلوله الاجتماعي من خلال صراع مرير بين الطبقة المالكة وما بين الطبقة العاملة ، وهذا الصراع المرير بين هاتين الطبقتين ينمو ويشتد كلما تطورت الآلة وكلما نمت الآلة الصناعية
____________
(1) يقصد به كارل ماركس .
---
( 176 )

(9/8)


وتعقدت وذلك لان الآلة كلما تطورت أدت الى تخفيض في مستوى المعيشة وهذا التخفيض في مستوى المعيشة يعطي فرصة للطبقة الرأسمالية المالكة في ان تخفض أجر العامل لانها لا تريد ان تعطي العامل أكثر مما يديم به حياته ونفسه . اذن باستمرار تتطور الآلة ، باستمرار تنخفض كلفة المعيشة وبأستمرار يخفض الرأسمالي أجرة العامل هذا من ناحية ، من ناحية ثانية ان تطور الآلة وتعقدها يقتضي امكانية التعويض عن العدد الكبير من العمال بالعدد القليل من العمال لان دقة الآلة وعملقة الآلة سوف يعوض عن الجزء الآخر من العمال وهذا يجعل الطبقة الرأسمالية تطرد الفائض من العمال باستمرار وهكذا يشتد الصراع بين الطبقتين ويحتدم التناقض حتى ينفجر في ثورة ، هذه الثورة تجسدها الطبقة العاملة تقضي بها على التناقض الطبقي في المجتمع وتوحد المجتمع في طبقة واحده وهذه الطبقة الواحدة تمثل حينئذ كل أفراد المجتمع وفي حالة من هذا القبيل سوف تستأصل كل ألوان التناقض لان أساس التناقض هو التناقض الطبقي ، فاذا أزيل التناقض الطبقي زالت كل التناقضات الاخرى الفرعية والثانوية . هذا تلخيص سريع جدا لوجهة نظر هؤلاء الثوار تجاه التناقض الذي عالجناه . الا ان هذه النظرة الضيقة لا
---
( 177 )

(9/9)


تنجسم في الحقيقة مع الواقع ولا تنطبق على تيار الاحداث في التاريخ ليس التناقض الطبقي وليس تطور الآلة بل هو وليد الانسان ، هو من صنع الانسان الاوروبي ، ليست الآلة هي التي صنعت استغلال الرأسمالي للعامل ، ليست الآلة هي التي خلقت النظام الرأسمالي ، وانما الانسان الاوروبي الذي وقعت هذه الآلة بيده افرز نظاما رأسماليا يجسد قيمه في الحياة وتصوراته للحياة ، وليس التناقض الطبقي هو الشكل الوحيد من اشكال التناقض ، هناك صيغ كثيرة للتناقض على الساحة الاجتماعية ، وليس التناقض الطبقي هو التناقض الرئيسي بالنسبة الى تلك الاشكال وانما كل هذه الاشكال من التناقض على الساحة الاجتماعية هي وليد تناقض رئيس وهو جدل الانسان ، هو الجدل المخبوء في داخل محتوى الانسان ذاك هو التناقض الرئيس الذي يفرز دائما وأبدا صيغا متعددة من التناقض . تعالوا نلاحظ ونقارن بين هذه النظرة الضيقة وبين واقع التجربة البشرية المعاصرة لنرى أي النظريتين أكثر انطباقا على العالم الذي نعيشه ، ونرى ماذا كنا نتوقع ، ماذا كنا ننتظر لو كانت هذه النظرة وكان هذا التفسير للتناقض ، لو كان صحيحا وواقعيا ، ماذا كنا ننتظر وماذا كنا نتوقع كنا ننتظر ونتوقع أن
---
( 178 )

(9/10)


يزداد يوما بعد يوم التناقض الطبقي والصراع بين الطبقة الرأسمالية والطبقة العاملة في المجتمعات الاوروبية الصناعية التي تطورت فيها الآلة تطورا كبيرا . كان من المفروض أن هذه المجتمعات كانكلترا والولايات الامريكية المتحدة وفرنسا وألمانيا أن يشتد فيها التناقض الطبقي والصراع يوما بعد يوم ويتزلزل النظام الرأسمالي المستغل ويتداعى يوما بعد يوم ، ويزداد الثراء على حساب هؤلاء العاملين في طبقة الرأسماليين المستغلين من الامريكان والانجليز والفرنسيين وغيرهم ، كما نترقب حالة من هذا القبيل ، كنا نترقب أن تتضاعف النقمة ، أن يشتد ايمان العامل الاوروبي والعامل الامريكي بالثو