العدالة والمساواة

الكاتب:الدكتور علي القائمي

 

 

 

الاب في أسرته:

الاب هو رب الاسرة ومثال العدل والانضباط فيها, وإن وجوده يعني القانون بذاته والمسؤول عن النظم والانضباط والعدل.

وعندما يكون الاب حاضراً على رأس أولاده في البيت فإنّهم سيمارسون وظائفهم باطمئنان وثقة أكبر, ويحاولون أن تتطابق أعمالهم وتصرفاتهم مع ضوابط وقرارات الاسرة.

صحيح أن الطفل يخشى أمّه أيضاً, لكن هذه الشخصية في حقيقتها ليست الا بسبب بعض الاهتمامات المتبادلة, فهو يطيعها ويستمع لأوامرها بسبب حبّها واهتمامها به . أما خشيته من الاب فإنها تنبع من خشيته وسيطرة هذه الخشية على القلوب.

 

الحاجة إلى العدالة:

يقبل الاطفال لا شعورياً بسلطة الاب وهيبته, وقد اعتادوا على قبول القرارات والضوابط الصادرة عنه. غير أن العدالة هي الشيء المهم بالنسبة لهم. إنّهم يريدون أن يجسّد الاب العدالة في تطبيق الضوابط ورعاية القوانين, فتتوفّر بذلك الارضية الملائمة لشعور الطفل بالفخر والاعتزاز وتستقر أعماقه ولا يبالي حتى لو تعرّض للعقاب من أجل ذلك الشيء.

إنّ أغلب الاضطرابات والصراعات التي تعتري الاطفال في الاسرة إنّما تنشأ من الشعور بالفارق وانعدام المساواة داخل الاسرة أو الاحساس بالظلم . فالطفل يتصوّر بأنّه تعرض إلى تقييم مجحف أو أن العدالة لم تراع في العقاب الذي تعرّض له.

وتمكّن أسباب الاضطراب في سلوك الطفل في عوامل عديدة منها الشعور باللامساواة في اتخاذ المواقف. كما ويؤثر في الطفل شعوره بالملل بسبب التحقير والتدخل والممارسات السيئة فنراه يرغب من أعماقه بأن يراعى مبدأ المساواة بشأنه.

 

أهمية العدل في الحياة:

إن أفضل عبارة تعكس أهمية العدل هي هذا الحديث الوارد عن رسول الله (ص) إذ يقول فيه :" العدل جنّة واقية وجنّة باقية". وإن العدالة تنظم حياة الطفل فلا يمكنه مواصلة حياته بدونها، هي ضرورية لأن تكون درساً له, ويعتاد عليها, إضافة إلى أنه مفطور عليها أيضاً.

ويطالب الطفل بالعدالة الحقيقية وهي تلك التي يشعر بها في أعماقه وتولد معه. كما أن الاسلام أكّد على ضرورة العدل بين الاولاد, فقد ورد في حديث عن الرسول الاكرم (ص) قوله:" أعدلوا بين أولادكم كما تحبون أن يعدلوا بينكم".

 

رعاية المساواة:

تعتبر المساواة من مظاهر العدالة. وينبغي على الاب أن يساوي بين أطفاله وأفراد أسرته خاصة في إظهار الحب والود فلا يفضّل أحداً على الاخر. فالاطفال حساسون جداً لهذا الامر حتى أنهم ينتبهون إلى الكلمة الاضافية الصادرة منكم.

وقد تكون ثمة حاجة في بعض الاحيان للتمييز بين طفلين ووضع فوارق بينهما, فيجب في هذه الحالة توضيح السبب للطفل بلغته لكي يفهم ذلك.

فلا يقوم قوام الاسرة الا على المساواة والعدل بين الاطفال, خاصة وأنهم يحملون رغبات عديدة. ويتأكد هذا الدور للأب قبل غيره. صحيح أن على الاب أن يمارس اقتداره أيضاً, ولكن بشرط لا يثير ذلك إحساساً عند الطفل بأن ممارسات الاب تعارض الاصول والمبادئ وانه يخطو خلافاً للعدالة. فهذا الاحساس ضروري للطفل وانه سيكون مستعداً للقيام بأي عمل داخل البيت- مهما كان صغيراً- بشرط توفّر العدالة.

 

مظاهر عدالة الاب :

يستطيع الاب أن يكشف لطفله عن عدالته من خلال صور مختلفة نشير إلى بعضها فيما يلي :

1-  الوفاء بالقول والعهد: من مظاهر عدالة الاب في نظر الاطفال الوفاء بالعهد والتطابق بين القول والعمل. فلا يليق به أن يعد الطفل ثم لا يفي بوعده. وإن عدم الوفاء يدفع الطفل ليحمل انطباعاً عن والده بأنه كاذب وغير عادل.

وقد أكّد القرآن الكريم على ضرورة الوفاء بالعهد"وأوفوا بالعهد, إن العهد كان مسئولا" كما جاء عن رسول الله (ص) قوله : " من كان يؤمن بالله واليوم الاخر فليف إذا وعد " . وورد عن أمير المؤمنين الامام علي (ع) قوله:" والخلف يوجب المقت عند الله والناس". وقد أوصانا رسول الله (ص) بضرورة الوفاء بالوعود المعطاة للطفل: " فإذا وعدتموهم ففوا لهم".

ثم جاءت بقية الحديث لتوضح "فإن الله لا يغضب لشيء كغضبه للنساء والصبيان".

وتربوياً ينبغي أن تكون الوعود صادقة ومناسبة, فليس صحيحاً أبداً تقديم الوعود الكاذبة, أو تلك التي تطمع الطفل فيستسلم لوجهة نظر معينة أو نزيد من شأننا بواسطتها.

2-  إظهار الحب: من مظاهر عدل الاب أن يساوي في إظهار حبّه لأطفاله فلا يهتمّ بواحدٍ ويترك الاخر.

وقد اعترض رسول الله (ص) على شخص كان له ولدان عندما شاهد يقبّل أحدهما دون الاخر. فهذه التصرفات تجعل الطفل يشعر بالقلق والغضب في نفس الوقت على الطفل الاخر إضافة إلى غضبه على والده.

وذات يوم شاهد رسول الله (ص) الامام الحسن (ع) وهو طفل صغير يستيقظ من نومه ويطلب الماء, فأحضر له الرسول الاكرم(ص) اللبن, في هذه الاثناء استيقظ الامام الحسين (ع) وطلب الماء أيضاً, ولكن الرسول أجابه بأن شقيقك الاكبر سبقك في هذا الطلب وينبغي أن يشرب أولاً, ولم يفلح الامام الحسين في محاولاته لأخذ اللبن من يد جده الرسول الاعظم (ص).

يلجأ بعض الاباء بشكل لا شعوري إلى وضع الفوارق العملية بين الاولاد. فمثلاً نراهم يحملون الطفل الصغير أو يحتضنوه على مرأى ومشهد من الطفل الاخر.

3-  قبول الاولاد: من مظاهر العدالة قبول الاولاد على أساس المساواة دون التمييز بينهم بالجنس, إنهم يريدون أن يقبلوا على أساس مبدأ المساواة (ذكوراً كانوا أم إناثا) ولا يفضّل أحداً على الاخر في الحب والبغض بسبب جماله أو قبحه.

ونرى في الأسر التي لها ابن واحد وعدد من البنات كيف إنّها تهتم به على حساب شقيقاته مما سيبرز بشكل لا إرادي شعوراً بالتمييز . وسوف يتألم الطفل كثيراً لهذا السلوك خاصة وانه غير مسئول عن جنسه.

فالاولاد الذين يشعرون بالتمييز بسبب الجنس, أو الجمال والقبح أو اللسان الجميل لا يمكنهم أن يكونوا أفراداً نافعين ومواطنين صالحين في مجتمعاتهم, وسيكونون فاشلين في مستقبلهم. وسوف يحاولون عندما يكبرون ويمتلكون القوة المطلوبة, نقل بؤرة التمييز من الاسرة إلى مواضع أخرى. فيصبحون معقدين ومتمردين على القانون وسيئي التصرف مع الاخرين خاصة من هم تحت أيديهم.

4-  المماثلة: يتوقع جميع الاطفال تقريباً أنّهم سيتعرضون للعقاب في حال ارتكابهم لخطأٍ معين. وان ما يقلقهم ويؤلمهم هو عدم المماثلة في نيل العقاب بينهم وبين الاخرين .

نرى أحياناً أن الطفل الصغير الذي تنازع مع شقيقة أو شقيقته وكان مقصّراً, يحاول التقرب من والده متى ما عاد من عمله فيلقي بنفسه في أحضانه ويبث إليه شكواه. ويتخذ الاب قراراً متسرعاً دون أن يحقق في الموضوع فيعاقب عند الاخير فينال من الجميع ويردد كلمات الفحش. يجب على الاب أن يلتزم بقواعد متماثلة وضوابط متشابهة في المعاقبة. وأن يحدد العقاب للأخطاء والذنوب المتشابهة, فلا يتصرّف بشكلين إزاء خطأ واحد أو بعفو عن أحدهم بينما يعاقب الاخر بشدة.

 

مخاطر الظلم والتمييز:

يؤثر الظلم والتمييز بشده على براءة الطفل فتتوهج في أعماقه نيران الغضب والحقد ويلجأ إلى الانتقام. وسوف تجرح أحاسيسه ومشاعره فينال ذلك من عقله وإيمانه أيضاً.

وقد يؤدي التمييز بالطفل لأن يكون عدوانياً إزاء مجتمعه أو أن تصدر منه ممارسات قبيحة, فيمتنع عن قبول الحقائق ويدفعه ذلك إلى اللجوء إلى الانتقام وكثرة الطلبات وتتبع عثرات الاخرين وعيوبهم.

كما يؤدي الظلم والتمييز أحياناً ببعض الاطفال للإصابة بالكآبة والانطواء على النفس والاستغراق في الذات, أو الاصابة ببعض العقد العويصة وظهور الغيرة والتمرّد والعصيان, أو يكون سيء الظن ولا أباليا فاقداً للثقة بنفسه.

ويلجأ الطفل أحياناً بسبب هذه الحالة إلى ممارسة أعمال متطرفة وشرسة فنراه هجومياً وعدوانياً مثلاً لشعوره بأنّه تعرّض للإهانة والاحتقار ويقدم على أعمال قبيحة للتخلص من هذا الشعور.